يدين المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بأشد العبارات استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي مخازن الأدوية والمستلزمات الطبية في مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، في جريمة جديدة تؤكد تعمد الاحتلال تدمير ما تبقى من المنظومة الصحية، وحرمان المدنيين من الخدمات الطبية المنقذة للحياة، في سياق جريمة الإبادة الجماعية المتواصلة بحق سكان قطاع غزة منذ 34 شهرا.
ويمثل استهداف قوات الاحتلال مخازن الأدوية والمستلزمات الطبية اعتداء على منشأة مدنية محمية، وهجوما مباشرا على الحق في الحياة والصحة، ويهدف إلى تقويض قدرة المستشفى على مواصلة تقديم الرعاية الطبية لآلاف المرضى والجرحى، في وقت تعاني فيه مستشفيات قطاع غزة من انهيار غير مسبوق نتيجة الاستهداف المتكرر والحصار والإغلاق ومنع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود.
ويأتي هذا الهجوم امتدادا لسياسة ممنهجة انتهجتها قوات الاحتلال لإخراج المستشفيات عن الخدمة وتدمير البنية الصحية باعتبارها أحد المقومات الأساسية لبقاء السكان المدنيين.
ووفقا للمعلومات التي توصل إليها باحثو المركز، فعند حوالي الساعة 01:30 من يوم السبت الموافق 1/8/2026، أصدرت قوات الاحتلال الإسرائيلي أوامر بإخلاء مربع سكني في شارع مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح. كما شملت أوامر الإخلاء مراكز الإيواء المقامة داخل حرم المستشفى وفي محيطه، تمهيدا لاستهداف موقع لم تحدده. وعلى إثر ذلك، بدأ المواطنون بالنزوح من المنطقة، ولجأ عدد كبير منهم إلى أقسام المستشفى اعتقادا بأنها المكان الأكثر أمنا.
وعند حوالي الساعة02:20 من فجر اليوم ذاته، أطلقت طائرة حربية إسرائيلية صاروخا استهدف بركسا صغيرا يقع في الجهة الشمالية الغربية من حرم مستشفى شهداء الأقصى، كان مخصصا لتخزين الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية الخاصة بالمستشفى. ويجاور الموقع المستهدف مخيم “شهداء الأقصى” الذي يضم 340 خيمة تؤوي نحو 1940 نازحا، غالبيتهم من النساء والأطفال، كانوا قد لجأوا إلى محيط المستشفى بعد تهجيرهم قسرا من مناطق مختلفة في قطاع غزة.
أسفر القصف عن تدمير مستودع الأدوية بالكامل، وإحداث حفرة بعمق يقارب عشرة أمتار، كما دمر 40 خيمة داخل مخيم النازحين، وألحق أضرارا بعشرات الخيام الأخرى، ما أدى إلى تشريد عشرات العائلات من جديد. وجاء هذا الاستهداف في ظل النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية الذي تعاني منه مستشفيات قطاع غزة نتيجة الحصار المشدد ومنع إدخال الإمدادات الطبية.
ووفق وزارة الصحة، فقد أدى القصف إلى محو مخزنين من أصل أربعة من المكان المستهدف إلى جانب إلحاق أضرار بالغة وأضرار جسيمة بمخزنين آخرين. كما تسبب بأضرار كبيرة في مبنى العيادات الخارجية بمستشفى شهداء الأقصى الملاصق للمخازن، وفقدان وتلف كميات حيوية من المستهلكات والمستلزمات الطبية المخصصة لخدمة المرضى والجرحى.
وفي إفادتها لباحث المركز، قالت الدكتورة انشراح الكرد، مديرة دائرة الصيدلة في مستشفى شهداء الأقصى، إن القصف أدى إلى تدمير المخزون بالكامل من المحاليل الطبية بمختلف أنواعها، بما يشمل محاليل الإنعاش الوريدي، والمحاليل المخصصة لمرضى الفشل الكلوي، إضافة إلى فلاتر غسيل الكلى، وكميات كبيرة من المستلزمات الطبية اللازمة لتقديم الخدمات العلاجية اليومية.
وأضافت أن فقدان هذا المخزون ستكون له آثار مباشرة وخطيرة على قدرة المستشفى على الاستمرار في تقديم خدماته، في ظل النقص الحاد الذي يعاني منه القطاع الصحي بسبب الهجمات الإسرائيلية المتواصلة والقيود المفروضة على إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية.
وأوضحت أن نفاد المحاليل الطبية يقلص بصورة كبيرة قدرة الطواقم الطبية على التعامل مع الإصابات الناتجة عن القصف، وإجراء العمليات الجراحية، وتقديم الرعاية الطارئة، وعلاج المرضى الذين يعتمدون على المحاليل الوريدية كجزء أساسي من بروتوكولات علاجهم. كما أن تدمير محاليل وفلاتر غسيل الكلى يهدد بشكل مباشر استمرار علاج مرضى الفشل الكلوي، الذين يعتمدون على جلسات الغسيل الدورية للبقاء على قيد الحياة، ويعرض حياتهم لخطر داهم.
يؤكد المركز أن المستشفيات والوحدات الطبية والمخازن المخصصة للأدوية والمستلزمات الطبية تتمتع بحماية خاصة بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، ولا يجوز استهدافها أو تعطيل عملها أو حرمانها من الإمدادات اللازمة لعملها، ما لم تستخدم خارج وظائفها الإنسانية في أعمال تضر بالطرف الآخر، وهو ما لم تقدم قوات الاحتلال أي دليل عليه.
كما أن تعمد تدمير الإمدادات الطبية وحرمان السكان من الرعاية الصحية الأساسية، بالتزامن مع فرض الحصار ومنع دخول الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية، يرقى إلى استخدام التجويع والحرمان من مقومات البقاء كوسيلة من وسائل الحرب، ويعد جزءا من الأفعال المكونة لجريمة الإبادة الجماعية، بالنظر إلى أنه يسهم في إخضاع السكان الفلسطينيين لظروف معيشية يراد بها تدميرهم المادي كليا أو جزئيا، فضلا عن كونه يندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
يجدد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان مطالبته المجتمع الدولي بالتحرك الفوري لوقف جريمة الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، واتخاذ تدابير عملية وملزمة تضمن حماية المدنيين والمنشآت الطبية، وإلزام إسرائيل باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
كما يطالب المجتمع الدولي بالضغط الفوري لرفع الحصار غير القانوني عن قطاع غزة، وضمان التدفق العاجل والآمن والمستدام للأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، وتمكين المستشفيات من استعادة قدرتها على تقديم الرعاية الصحية للسكان المدنيين.