سبتمبر 24, 2026
الاحتلال يهدم قرية جنبا في الخليل ويشرد 176 مواطنًا ضمن مسار ضم الضفة الغربية
مشاركة
الاحتلال يهدم قرية جنبا في الخليل ويشرد 176 مواطنًا ضمن مسار ضم الضفة الغربية

يدين المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بأشد العبارات إقدام قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح أمس الأربعاء، على تنفيذ عملية هدم واسعة في قرية جنبا، أقصى جنوب شرق مدينة يطا، جنوبي محافظة الخليل، طالت عشرات المساكن والمنشآت السكنية والزراعية والخدمية، وتسببت في تشريد عشرات الأسر وحرمانها من مساكنها ومصادر رزقها ومقومات حياتها الأساسية.

تأتي هذه الجريمة في سياق سياسة إسرائيلية متواصلة تستهدف الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة، بأدوات متعددة بما في ذلك من خلال الهدم ومنع البناء وتقييد الوصول إلى الأراضي ومصادر المياه وسبل العيش، بهدف بإفراغ التجمعات الفلسطينية من سكانها وفرض واقع جديد على الأرض.

ووفق المعلومات التي جمعها باحث المركز، عند حوالي الساعة 08:00 صباح يوم الأربعاء الموافق 23/09/2026، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، معززة بالعديد من الآليات العسكرية، ترافقها جرافات وحفارات ومركبات تابعة للإدارة المدنية، قرية جنبا وحاصرتها، قبل أن تبدأ آلياتها بتنفيذ عمليات هدم وإزالة واسعة لعدد من المساكن والمنشآت التابعة المقامة على أراضي المواطنين الخاصة. وألحقت عملية التجريف أضرارا مباشرة بنحو 26 أسرة، تضم 176 فردا، يشكل الأطفال والنساء نحو 70% منهم.

وطالت عمليات الهدم 22 مسكنا ووحدة سكنية، بينها مساكن كاملة وغرف سكنية مخصصة للعائلات، شيد معظمها من الطوب والصفيح، إضافة إلى منشآت أساسية مرتبطة بها، بينها الحمامات والمطابخ وخزانات المياه ومنظومات الطاقة الشمسية التي يعتمد عليها السكان في توفير الكهرباء، في ظل غياب شبكة كهرباء منتظمة في المنطقة.

كما هدمت قوات الاحتلال 15 بركسا من الصفيح المعزول مخصصا لتربية الأغنام وحظيرة واحدة من الشادر، وهي منشآت تعتمد عليها الأسر في تربية المواشي وتأمين مصادر دخلها. وتبلغ مساحة البركسات نحو 600 متر مربع، وكانت تستخدم لإيواء مئات رؤوس الأغنام، فيما بلغت المساحة التي أقيمت عليها المساكن والمنشآت والإضافات التابعة لها نحو 4505 أمتار مربعة.

وشملت الأضرار مخازن للأعلاف ومنشآت تستخدم لتخزين المواد اللازمة لإعاشة الأسر وتربية المواشي، إضافة إلى 21 حماما و9 مطابخ وعشرات خزانات المياه، تبلغ سعة الواحد منها نحو متر مكعب. كما أدت عمليات الهدم إلى إزالة أو تدمير منظومات الطاقة الشمسية التي يعتمد عليها السكان لتوفير الكهرباء، إلى جانب هدم كهف وطابون وغرف مخصصة لتخزين الأعلاف ومنشآت أخرى مرتبطة باحتياجات السكان اليومية.

ويعتمد غالبية سكان قرية جنبا على تربية الأغنام والزراعة كمصدر رئيسي للعيش، ما يجعل هدم المساكن والحظائر ومخازن الأعلاف وخزانات المياه ومنظومات الطاقة الشمسية مساسا مباشرا بقدرة الأسر على البقاء في أراضيها ومواصلة حياتها ومصادر رزقها. ويتفاقم أثر هذه الإجراءات في ظل القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال على السكان، ومنعهم من إدخال التحسينات أو إقامة الإضافات على مساكنهم ومنشآتهم.

وجاءت عملية الهدم بعد رفض المخطط التفصيلي الذي تقدم به سكان القرية منذ عام 2018، وبعد سنوات من إصدار أوامر الهدم بحق منشآتهم. وبتاريخ 18 أغسطس 2026، رفضت سلطات الاحتلال المخطط المقدم من السكان، بذريعة وقوع القرية ضمن منطقة إطلاق النار 918، بما مهد لتنفيذ عمليات الهدم الجديدة.

وتعد قرية جنبا واحدة من 12 قرية وتجمعا فلسطينيا تقع جنوب شرق مدينة يطا، وتواجه خطر التهجير، وهي جنبا، المركز، الحلاة، الفخيت، التبان، المجاز، مغاير العبيد، صفي الفوقا، صفي التحتا، الطوبا، خلة الضبع والمفقرة. ويقدر عدد سكان هذه التجمعات بنحو 2500 فلسطيني، ينتشرون على مساحة تقارب 32 ألف دونم، وفق إحصاءات مجلس قروي مسافر يطا. وقد شهد العام 2026 عمليات هدم طالت قرية التبان وأجزاء كبيرة من قرية الفخيت وقرية خلة الضبع، في سياق متواصل من الإجراءات التي تستهدف السكان وممتلكاتهم.

وفي إفادته لباحث المركز، قال المواطن عيسى إبراهيم محمد، 48 عاما:“أسكن في قرية جنبا مع عائلتي المكونة من ثمانية أفراد، بينهم طفلان، ونملك قطيعا من المواشي نعتمد عليه في معيشتنا ومصدر دخلنا. صباح يوم الأربعاء بدأت قوات الاحتلال بمحاصرة القرية وشرعت في تنفيذ عملية هدم واسعة طالت عددا من المنازل والمنشآت، وكان من بينها منزلي وبركس الأغنام الخاص بنا. ومع انتهاء عملية الهدم، وجدنا أنفسنا بلا منزل وبلا مأوى، وأصبحنا مشردين مع أطفالنا. قضينا ليلتنا، كباقي سكان القرية الذين طالتهم عمليات الهدم، في العراء، دون وجود مكان يحمي عائلاتنا من البرد والظروف الجوية. وحتى الأغنام التي نعتمد عليها في معيشتنا لم يعد لها مكان يأويها، ولا توجد خيمة أو مأوى مناسب لحمايتها.
القرية أصبحت منكوبة بالكامل، والهدم لم يقتصر على المنازل، بل أدى إلى تدمير مقومات الحياة الأساسية للسكان وتركنا أمام ظروف إنسانية صعبة للغاية. نحن الآن بحاجة إلى مأوى ومياه ومستلزمات أساسية، خصوصا مع اقتراب فصل الشتاء. الوصول إلى القرية ليس سهلا، والظروف المفروضة على السكان تجعل نقل الاحتياجات والمساعدات إليها أمرا بالغ الصعوبة، وهذا سيزيد من معاناتنا خلال الفترة القادمة. الأطفال بشكل خاص أصبحوا معرضين للبرد والخوف وعدم الاستقرار بعد فقدان منازلهم”.

وتعود اعتداءات الاحتلال ضد سكان مسافر يطا إلى عقود مضت. ففي بداية ثمانينيات القرن الماضي، أعلنت سلطات الاحتلال المنطقة منطقة تدريبات عسكرية وأطلقت عليها منطقة إطلاق النار 918. وفي أغسطس 1999، أصدرت سلطات الاحتلال أوامر عسكرية بإخلاء السكان وترحيلهم عن المنطقة بحجة استخدامها لأغراض التدريب العسكري، رغم إقامة السكان بصورة دائمة في قراهم وأراضيهم.

وفي 16 نوفمبر 1999، نفذت قوات الاحتلال عملية ترحيل للسكان من عدد من قرى المنطقة، واستقدمت آليات عسكرية ونقلت المواطنين بالشاحنات إلى أطراف مدينة يطا، كما دمرت آبارا ومساكن ومنشآت في المنطقة. وتمكن السكان لاحقا من العودة إلى قراهم وممارسة حياتهم فيها.

وفي 4 مايو 2022، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارها في الالتماسات المتعلقة بقرى مسافر يطا، وسمحت للقوات الإسرائيلية بإخلاء سكان عدد من القرى من المنطقة بذريعة استخدامها للتدريب العسكري. وأثار القرار انتقادات من خبراء الأمم المتحدة، الذين أشاروا إلى مخاطر التهجير القسري بحق السكان الفلسطينيين في المنطقة.

ومنذ ذلك القرار، كثفت سلطات الاحتلال عمليات الهدم والإخطارات وقيود البناء والوصول إلى الأراضي، بالتزامن مع تصاعد اعتداءات المستوطنين وإقامة البؤر الاستيطانية والاستيلاء على الأراضي الزراعية. وقد وثق المركز1 في 2 سبتمبر 2026 هدم 38 منشأة سكنية وزراعية وخدمية في قرية التبان بمسافر يطا، ما أدى إلى تشريد ثماني أسر تضم 58 شخصا، بينهم 26 طفلا و30 امرأة.

كما هدمت قوات الاحتلال في 8/9/2026، 20 منشأة سكنية وزراعية وخدمية، في قريتي الفخيت وخلة الضبع بمسافر يطا، ما تسبب بتشريد 5 أسر تضم 33 شخصا، منهم 14 طفلا و15 امرأة.

وقال نضال أبو عرام، رئيس مجلس قروي مسافر يطا، لباحث المركز:“ما يجري في مسافر يطا هو مخطط لتهجير السكان الفلسطينيين من مناطقهم. يوجد نحو 2500 مواطن فلسطيني مهددون بالتهجير من مواقعهم، وهذا التهجير جزء من سياسة إسرائيلية مستمرة تهدف إلى إفراغ المنطقة من سكانها الفلسطينيين. عمليات هدم مساكن المواطنين وممتلكاتهم والاستيلاء على الأراضي تعني عمليا السيطرة تدريجيا على نحو 32000 دونم من أراضي يطا التي يعيش عليها الفلسطينيون ويستخدمونها للزراعة والرعي. قرية جنبا واحدة من هذه المساحات التي يجري استهدافها، وسيؤدي اقتلاع سكانها وهدم مساكنهم ومنشآتهم إلى تقليص مساحة الأراضي المتاحة للسكان الفلسطينيين، وحرمانهم من الوصول إلى الأراضي التي يستخدمونها للزراعة والرعي”.

يؤكد المركز أن هدم قوات الاحتلال المساكن والمنشآت المدنية، وحرمان السكان من مصادر المياه والطاقة ووسائل كسب الرزق، في ظل منعهم من البناء ورفض مخططاتهم التنظيمية، يأتي ضمن منظومة من التدابير التي تضغط على السكان وتحد من قدرتهم على البقاء في أراضيهم، بالتزامن مع توسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، يعمق واقع السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية المحتلة ويدفع السكان نحو النزوح القسري.

ويشكل هذا المسار في جوهره عملية ضم تدريجي للضفة الغربية، تتعارض بصورة مباشرة مع قواعد القانون الدولي التي تحظر على دولة الاحتلال اتخاذ إجراءات تؤدي إلى تغيير دائم في وضع الأراضي المحتلة أو نقل سكانها قسرا.

وفي ضوء ذلك، يدعو المركز المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات فورية وفعالة لحماية التجمعات الفلسطينية في مسافر يطا، وضمان عدم تنفيذ عمليات تهجير جديدة، ووقف جرائم الاحتلال والمستوطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وإنهاء نظام الفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني الذي تفرضه إسرائيل على الشعب الفلسطيني.

ويذكر المركز بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، الذي أكد عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وألزم إسرائيل بإنهاء وجودها غير القانوني، بما في ذلك تفكيك المستوطنات وإخلاء المستوطنين.

ويدعو المركز إلى تحرك دولي جاد لضمان مساءلة مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة الدولية، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، وتوفير الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين، ووقف جميع أشكال الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي يمكن إسرائيل من مواصلة سياساتها غير القانونية وانتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي.


  1. بيان صحفي، هدم الاحتلال 38 منشأة في مسافر يطا الخليل وتشريد 58 مواطنًا يعزز مخطط ضم الضفة الغربية، 02/09/2026. الرابط ↩︎