أصدر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان اليوم تقريرًا جديدًا بعنوان “عام على وقف إطلاق النار: الإبادة الجماعية مستمرة في قطاع غزة”، وذلك بالتزامن مع مرور عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وثلاثة أعوام على جريمة الإبادة الجماعية. ويخلص التقرير إلى أن الاتفاق خفّض وتيرة الهجمات ولم يوقف أفعال الإبادة، إذ واصلت إسرائيل قتل الفلسطينيين، وإلحاق أذى جسدي وعقلي جسيم بهم، وإخضاعهم عمدًا لظروف معيشية يُراد بها تدميرهم المادي كليًا أو جزئيًا، وهي ثلاثة من الأفعال المنصوص عليها في المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
وأكد المركز في تقريره استمرار القتل بوسائل أقل كثافة وأكثر انتقائية، من دون تغير جوهري في طبيعة أماكن الاستهداف أو هوية الضحايا، وأورد التقرير أنماطًا ثابتة للقتل اليومي لم تختلف عن الأنماط التي سبقت الاتفاق خلال أوج العمليات العسكرية، وكان أبرزها، قصف المنازل فوق رؤوس ساكنيها، واستهداف التجمعات المدنية، بالإضافة إلى استمرار نمط قتل النازحين داخل الخيام ومراكز الإيواء، والقتل قرب ما يُعرف “الخط الأصفر” ومناطق الوصول المقيد، واستهداف أفراد الشرطة المدنية والقائمين على حفظ النظام، وقتل المدنيين أثناء سعيهم لتأمين الغذاء وسبل العيش.
فوفق التقرير، قتلت قوات الاحتلال منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ وحتى مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026 ما لا يقل عن (1445) فلسطينيًا وأصابت (5072)، وشملت بيانات القتلى المتاحة حتى 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (312) طفلًا و(139) امرأة. وكانت وزارة الصحة قد سجلت، مقتل (74228) فلسطينيين وإصابة (175188) آخرين منذ بداية الهجوم الحربي في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وهي حصيلة تعادل نحو حالة قتل أو إصابة مقابل كل تسعة من سكان القطاع، دون أن تشمل جميع المفقودين تحت الركام أو الوفيات الناجمة عن الحرمان من مقومات الحياة.
كما أظهر التقرير أن وقف إطلاق النار لم يوقف إلحاق الأذى الجسدي والعقلي بسكان القطاع، فقد سُجلت نحو (2500) إصابة جديدة تستلزم إعادة التأهيل خلال عام بعد الاتفاق والذي بدا هشًا وغير قائم. وبحسب التقرير، فقد بلغت الحصيلة المتراكمة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، نحو (43) ألف إصابة يُحتمل أن تغيّر مجرى الحياة لدى المصابين، وتشمل البتر وإصابات الحبل الشوكي والدماغ والحروق البالغة. وأوضح التقرير أن كثيرًا من الجرحى يعودون من المستشفيات إلى خيام ومبانٍ متضررة لا تصلح للتعافي، فيما يضاعف نقص التأهيل والأطراف الصناعية والأدوات المساعدة معاناتهم، ويهدد نمو الأطفال المصابين وقدرتهم على الحركة والتعلم.
وأكد التقرير بأن المجتمع في قطاع غزة لم يدخل مرحلة “ما بعد الصدمة”، كون مصادر هذه الصدمة لم تنتهِ بعد، فآلاف الأسر تنتظر معرفة مصير أبنائها المفقودين، أو انتشال جثامينهم من تحت الركام، أو موافقة على سفر مريض منها، أو فرصة للعودة إلى منزل أو العمل لكسب سُبل العيش. وأورد التقرير تقييمًا نُشر في أبريل/نيسان 2026 أظهر علامات متوسطة أو شديدة من القلق والخوف وفقدان الأمل في المستقبل لدى أكثر من (60%) من الشباب. ويتجدد هذا الأذى مع عجز الوالدين عن تأمين احتياجات أطفالهما، واستمرار اضطرابات النوم والخوف والانسحاب الاجتماعي لدى الأطفال، واستنزاف العاملين الصحيين الذين يعالجون الآخرين بينما يواجهون هم أنفسهم الفقد والنزوح.
وكشف التقرير عن حجم الضرر البالغ الذي أصاب الأسر في قطاع غزة، مع وجود قرابة (60) ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما، وأكثر من (26) ألف أرملة، حيث يترك فقدان المعيل النساء الناجيات أمام أعباء الرعاية في غياب الدخل والسكن والخدمات، بينما يفقد الأطفال مصادر الحماية والاستقرار التي يحتاجون إليها. فيما أكد التقرير أن استمرار هذه الظروف خلال عام وقف إطلاق النار أبقى الحزن والخوف والعجز حاضرًا في الحياة اليومية، وقوّض قدرة السكان على تصور مستقبل يمكنهم فيه استعادة حياتهم.
وفي توثيقه لاستمرار إخضاع السكان عمدًا لظروف معيشية يُراد بها تدميرهم المادي كليًا أو جزئيًا، بيّن التقرير كيف أبقت القيود الإسرائيلية العلاج والسكن والغذاء وسائر مقومات البقاء خارج متناول قطاعات واسعة من السكان في قطاع غزة. كما تطرق التقرير لنفاد نحو (47%) من الأدوية الأساسية، فيما تجاوز عدد المرضى والجرحى المحتاجين إلى العلاج خارج القطاع (20) ألفًا، وهو أمر أدى لوفاة (1628) مريضًا أثناء انتظار الإجلاء خلال ثلاث أعوام من الحرب. بذلك بقي مرضى السرطان والكلى والقلب والسكري أمام علاج متقطع، تتحكم في استمراره إمدادات الدواء والوقود والمستهلكات والموافقات الإسرائيلية على سفر المرضى.
كما لم يفتح عام على اتفاق وقف إطلاق النار بحسب التقرير طريقًا لاستعادة الحق في السكن والمأوى الآمن، فقد احتاج نحو (94%) من السكان إلى مساعدات المأوى والمواد غير الغذائية في يونيو/حزيران 2026. وفي الوقت ذاته، بقي نحو ثلثي مساحة قطاع غزة تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، ما أدى إلى حصر معظم سكان القطاع في رقعة جغرافية محدودة، حيث يعيش مئات الآلاف منهم في خيام متهالكة لا توفر حماية كافية من الحر والبرد والأمطار، أو في مبانٍ متضررة ومتصدعة اضطرت الكثير من العائلات إلى الاحتماء بها رغم ما تشكله من مخاطر على سلامتهم وحياتهم. ووثّق التقرير وقوع وفيات تحت أنقاض مبانٍ متضررة، في وقت استمرت فيه القيود على مواد التدعيم ومعدات الفحص والإنقاذ، وتعطّل الانتقال من الإيواء الطارئ إلى إعادة الإعمار.
كما تضمن التقرير تحليل حركة الشاحنات الواردة خلال الفترة بين 13 أكتوبر/تشرين الأول 2025 و16 أغسطس/آب 2026، حيث كشف أن المتوسط اليومي للشاحنات الواردة لم يتجاوز نحو (211) شاحنة، مقابل المعدل المعلن البالغ (600) شاحنة ضمن ترتيبات الاتفاق. فيما انخفض المتوسط اليومي لشاحنات المساعدات بنحو (41%) عند مقارنة أول الفترات المرصودة بآخرها مع زيادة ملحوظة في شاحنات القطاع الخاص، وتزامن هذا التراجع مع استمرار اعتماد الأسر على الإغاثة والمطابخ المجتمعية، فيما بقي دخول الوقود والمواد الخام ومعدات الطاقة والإصلاح مقيدًا، بما حال دون استعادة القدرة المحلية على إنتاج الغذاء وتوفير فرص العمل.
وكشف التقرير عن المؤشرات الاقتصادية التي استمرت في التدهور خلال عام من الاتفاق، إذ انكمش اقتصاد القطاع بنحو (5%) في الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالربع السابق، بعد أن بلغ معدل البطالة نحو (78%) خلال عام 2025. وبقيت المصانع والورش والمزارع ومراكب الصيد عاجزة عن استعادة نشاطها بفعل الدمار وقيود الوصول ونقص المعدات ومدخلات الإنتاج. لذلك لم يمنح توافر بعض السلع في الأسواق الأسرَ قدرةً على شرائها، فمع فقدان الدخل، اضطرت إلى تقليل الوجبات والاستدانة، وحتى بيع ما تبقى من ممتلكاتها، والاضطرار إلى تأجيل العلاج لتغطية احتياجات يومية لا تحتمل التأجيل.
وبحسب التقرير، امتد أثر القيود الاسرائيلية إلى شبكات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات وإزالة الركام، فأُبقي السكان قرب مصادر التلوث والمرض ومخلفات الحرب، مع تعذر إصلاح الخدمات وتشغيلها بانتظام.
كما استمر خلال هذا العام حرمان الأطفال في قطاع غزة من التعليم النظامي للعام الدراسي الرابع على التوالي، في ظل تدمير عدد كبير من المدارس أو استخدامها كمراكز للإيواء، وقد انتقلت العملية التعليمية إلى مساحات مؤقتة تفتقر إلى مقومات التعليم الآمن والملائم. وقد تزامن ذلك مع أزمات الجوع والنزوح والإصابات وفقدان مصادر الدخل، ما حرم مئات الآلاف من الأطفال من انتظامهم الدراسي، وزاد من مخاطر التسرب من التعليم والانخراط في سوق العمل، بما في ذلك عمالة الأطفال، فضلًا عن تعميق التحديات التي يواجهها الأطفال ذوو الإعاقة في الوصول إلى التعليم وخدمات التأهيل والدعم اللازمة لهم.
وطالب المركز في تقريره المجتمع الدولي بالتحرك لوقف أفعال الإبادة وحماية سكان قطاع غزة، داعيًا الدول الأطراف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية إلى وقف تزويد إسرائيل بالأسلحة والذخائر، وتعليق التعاون الذي قد يسهم في استمرار الجرائم، وضمان امتثالها للتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية.
كما شدد المركز على ضرورة رفع الحصار وفتح المعابر لتأمين احتياجات السكان، وتيسير إجلاء المرضى والجرحى، وإدخال المواد والمعدات اللازمة لإصلاح المساكن والمرافق واستعادة الخدمات وسبل العيش. كما دعا إلى وقف خطط التهجير وانسحاب القوات الإسرائيلية بما يتيح للنازحين العودة الطوعية والآمنة والكريمة إلى مناطقهم. وأكد على ضرورة دعم ملاحقة المسؤولين عن الجرائم أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية المختصة، وضمان انصاف الضحايا الفلسطينيين.