مع حلول شهر أكتوبر/ تشرين الأول، الذي يشهد عالمياً حملات واسعة للتوعية بسرطان الثدي والتأكيد على أهمية الكشف المبكر في زيادة فرص العلاج والشفاء، تواجه النساء الفلسطينيات المصابات بسرطان الثدي في قطاع غزة واقعاً بالغ القسوة. فلم تعد معاناتهن تقتصر على محدودية الوعي أو صعوبة الوصول إلى برامج الكشف المبكر، وإنما باتت تشمل صعوبة الوصول إلى خدمات الفحص والتشخيص، وإجراء الخزعات والتحاليل اللازمة، والحصول على العلاج الكيميائي والإشعاعي والجراحي، فضلاً عن استحالة ضمان استمرارية العلاج والمتابعة الطبية في ظل الانهيار المتواصل للمنظومة الصحية.
وبينما تدخل جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة عامها الرابع، تواجه مريضات سرطان الثدي مخاطر متزايدة تهدد حقهن في الصحة والحياة والكرامة الإنسانية. فقد أدى تدمير وإخراج عدد كبير من المرافق الصحية عن الخدمة، واستهداف العاملين في القطاع الصحي، والقيود المفروضة على إدخال الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية، إلى تقليص قدرة القطاع الصحي على تشخيص المرض وعلاجه ومتابعة الحالات المرضية.
ولا تقتصر معاناة مريضات سرطان الثدي على الحصول على الخدمات الطبية، بل تتفاقم بفعل الظروف الإنسانية الكارثية الناجمة عن استمرار جريمة الإبادة الجماعية، بما في ذلك النزوح المتكرر، وفقدان المساكن ومصادر الدخل، وارتفاع تكاليف التنقل، ونقص الغذاء ومياه الشرب، فضلاً عن تدمير البنية الصحية. وتؤدي هذه الظروف مجتمعة إلى تأخير التشخيص وبدء العلاج أو انقطاعه، الأمر الذي يزيد من مخاطر تفاقم المرض وظهور المضاعفات، ويقلل من فرص الاستجابة للعلاج والشفاء.
وبحسب الإفادات التي جمعها باحثو المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فإن استمرار القيود المفروضة على إدخال الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية، إلى جانب الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمنظومة الصحية، حدّ بصورة كبيرة من قدرة المرافق الصحية المتبقية على تقديم خدمات تشخيص وعلاج الأورام. وأصبحت مريضات سرطان الثدي يواجهن رحلة علاج شاقة وغير مستقرة، تبدأ بصعوبة الحصول على الفحوص اللازمة وقد تنتهي بتأخر العلاج أو انقطاعه.
ففي إطار استهداف البنية الصحية، تعرضت مراكز علاج الأورام السرطانية لتدمير وتعطيل متعمد، ما أدى إلى حرمان آلاف مرضى السرطان من خدمات التشخيص والعلاج المتخصص1، وعلى صعيد المرافق الطبية عمومًا، لم يعد يعمل سوى 33 مستشفى ومستشفى ميدانيًا من أصل 55، فيما بقي 22 مرفقًا خارج الخدمة. كما انخفض عدد مرافق الرعاية الصحية الأولية العاملة إلى 129 مرفقًا من أصل 229، ما يعني خروج 100 مرفق عن الخدمة. وتواجه المرافق التي صُنفت على أنها تعمل تحديات كبيرة بسبب إصرار قوات الاحتلال الإسرائيلي على عدم تأهيلها وفرض قيود مشددة على توريد احتياجاتها التشغيلية الأساسية كالوقود وزيوت المحركات والأجهزة الطبية2؛ ويقتصر نشاط العديد منها على تقديم جزء محدود من الخدمات، أو العمل لساعات متقطعة، أو الاعتماد على ترتيبات وحلول طارئة لا تضمن استمرارية تقديم الرعاية الصحية.3
الدكتور محمد أبو ندى، مدير مركز غزة للأورام التابع لوزارة الصحة في غزة 4 ، أفاد لباحث المركز بأن خدمات علاج الأورام كانت متوفرة قبل الحرب في عدد من المرافق الصحية، من بينها مجمع ناصر الطبي، ومجمع الشفاء الطبي، والمستشفى الأوروبي، ومستشفى الصداقة التركي. إلا أن استهداف المنظومة الصحية وخروج عدد من هذه المرافق عن الخدمة أدى إلى انحسار خدمات علاج وتشخيص الأورام بصورة كبيرة. وأشار أبو ندى إلى الأهمية البالغة للكشف المبكر عن سرطان الثدي، موضحاً أن تأخر التشخيص والعلاج قد يؤدي إلى انتشار المرض إلى الغدد اللمفاوية، ومن ثم إلى أعضاء أخرى، الأمر الذي يزيد من صعوبة العلاج ويقلل من فرص الشفاء. وأضاف أن عملية تشخيص الحالة تستغرق نحو أربعة إلى خمسة أسابيع، وهي المدة اللازمة للحصول على العينة النسيجية وإجراء التحاليل المطلوبة. وبيّن أبو ندى أن سرطان الثدي يمثل نحو 33% من حالات السرطان لدى الإناث في قطاع غزة، وأن عدد حالات السرطان المسجلة شهرياً يبلغ نحو 200 حالة بصورة عامة. كما أشار إلى أن الإصابة بسرطان الثدي تظهر بصورة ملحوظة لدى النساء في الفئة العمرية ما بين 25 و50 عاماً.
من جانبه، أفاد الأستاذ ياسر اليعقوبي، رئيس قسم تجهيزات وحدة التصوير الطبي بوزارة الصحة – غزة5، لباحث المركز بأن الأضرار التي لحقت بالمنظومة الصحية منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 أدت إلى خروج نحو 78% من أجهزة الأشعة والتصوير الطبي عن الخدمة، فيما لم يتبق سوى 5 أجهزة ماموغرام من أصل 14 جهازاً كانت متوفرة في قطاع غزة قبل الحرب، كما يعاني القطاع من نقص حاد في أجهزة التصوير بالموجات فوق الصوتية .(Ultrasound) ويشكل هذا النقص في أجهزة التشخيص خطراً مباشراً على مريضات سرطان الثدي، إذ يؤثر على إمكانية إجراء الكشف المبكر، وتأكيد التشخيص، وتحديد مرحلة المرض، ومتابعة استجابة المريضة للعلاج، وبالتالي اختيار البروتوكول العلاجي الملائم. وتتفاقم الأزمة بسبب النقص في الكوادر الطبية المتخصصة في تحليل عينات الأنسجة السرطانية، في ظل استهداف العاملين في القطاع الصحي. وفي ظل محدودية خدمات التصوير الطبي، أُجري نحو 400 فحص بالموجات فوق الصوتية في مجمع الشفاء الطبي، ونحو 1800 فحص ماموغرام في مجمع ناصر الطبي، وهي أرقام تعكس حجم الضغط الواقع على خدمات التشخيص والتصوير الطبي، ومحدودية قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للنساء المصابات أو المعرضات للإصابة بسرطان الثدي في قطاع غزة.
ووفقاً لمتابعات المركز، تعاني المنظومة الصحية من عجز مستمر في الأدوية والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية، ما يحد بصورة مباشرة من قدرتها على تشخيص المرضى وعلاجهم. ففي 7 مايو/أيار 2026، أعلنت وزارة الصحة نفاد مخزون نحو 47% من قائمة الأدوية الأساسية، و59% من المستهلكات الطبية، و87% من مواد الفحص المخبري. وخلال النصف الأول من العام، لم تتمكن مختبرات الوزارة من إجراء سوى ما يعادل 38% من معدل الفحوص التي كانت تجريها في الفترة السابقة للحرب6. وبذلك، قد يصل المريض إلى المرفق الصحي، لكنه لا يجد الفحص اللازم لتأكيد التشخيص، أو الدواء المطلوب لبدء العلاج، أو المستلزم الطبي الضروري لإتمام الإجراء العلاجي.
وكان مرضى السرطان من بين الفئات الأكثر تضررًا من هذا الواقع؛ إذ يواجه نحو 11 ألف مريض بمراحل مختلفة من المرض واقعًا صحيًا يفتقر إلى خدمات العلاج الإشعاعي، في حين بلغت نسبة العجز في أدوية علاج الأورام 61%، ما أدى إلى تعطيل بعض البروتوكولات العلاجية أو استبدالها بخيارات علاجية أقل ملاءمة. ولا يمثل تأخير الجرعات العلاجية أو فقدانها مجرد تأخير إداري، إذ قد ينعكس على تطور الورم، أو يقلل من فرص الاستجابة للعلاج، أو يضطر الطبيب إلى تعديل البروتوكول العلاجي الذي جرى اختياره بناءً على نوع الورم ومرحلته. كما أن نقص الأدوية الداعمة ومضادات العدوى يزيد من مخاطر المضاعفات لدى المرضى الذين أضعف العلاج الكيميائي جهازهم المناعي، وقد يجعل بعض هذه المضاعفات مهددة للحياة. وبحسب البيانات التي حصل عليها المركز من وزارة الصحة الفلسطينية7، يمثل سرطان الثدي نحو 18% من إجمالي حالات السرطان المسجلة، ونحو 33% من إجمالي حالات السرطان بين النساء. وتشير البيانات إلى أن نحو 13% من حالات الإصابة بسرطان الثدي تنتهي بالوفاة.
ولا تزال قوات الاحتلال الإسرائيلي تحرم نحو 4,000 مريض بالسرطان من السفر لتلقي العلاج خارج قطاع غزة8، في وقت تواصل فيه، منذ بدء الهجوم العسكري على القطاع في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعطيل نظام إصدار التصاريح العلاجية لمرضى غزة، ما يحرمهم من الوصول إلى مستشفيات الضفة الغربية والقدس المحتلة، التي كانت تستقبل سنويًا ما بين 10,000 و14,000 مريض من القطاع لتلقي العلاج.
وتلخص إفادة إحدى مريضات سرطان الثدي، وهي (أ. ف)، البالغة من العمر 32 عاماً، الواقع القاسي الذي تواجهه النساء المصابات بالمرض في قطاع غزة، حيث تقول: “بدأت معاناتي مع المرض قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بأيام قليلة. في ذلك الوقت، كنت أسعى إلى إجراء صورة ألتراساوند للثدي، لكن الحرب بدأت وتوقف كل شيء على إثرها، ومع عمليات النزوح التي عشتها لم أتمكن من متابعة الفحوصات أو استكمال رحلة التشخيص. ومع مرور الوقت، ازدادت معاناتي، واضطررت في الأول من مارس/ آذار 2025، وبسبب عدم توفر إبر الخزعة في المستشفيات الحكومية في دير البلح، إلى إجراء الخزعة وتحليلها لدى القطاع الخاص. وفي نهاية الشهر نفسه، أُبلغت بأنني مصابة بسرطان الثدي من الدرجة الثانية، وأن المرض انتقل إلى الغدد اللمفاوية، فيما تجاوز حجم الورم ثلاث سنتيمترات. بدأت أولى جرعات العلاج الكيميائي في 12 أبريل/ نيسان 2025، وكان الهدف من العلاج تقليص حجم الورم تمهيداً لإجراء الجراحة. لكن علاجي توقف قسراً بعد خروج المستشفى الأوروبي عن الخدمة، ومنذ ذلك الوقت دخلت في حالة من الانتظار وعدم اليقين، ولم أكن أعرف متى سأتمكن من استكمال علاجي أو الحصول على الرعاية الطبية التي أحتاجها. لم تكن معاناتي مقتصرة على المرض والعلاج، فقد كنت أواجه في الوقت نفسه ظروفاً إنسانية قاسية جداً. عانيت من الأعراض الجسدية الشديدة الناتجة عن العلاج، إلى جانب المجاعة والنزوح ونقص المياه، كما واجهت مشقة كبيرة في التنقل من مكان إلى آخر باستخدام وسائل بدائية، في ظل ظروف لم تكن تسمح لي بالحصول على العلاج بصورة منتظمة. وبسبب عدم توفر العلاج الإشعاعي في قطاع غزة، والذي كنت بحاجة إليه حتى أتمكن من إجراء جراحة تحفظية للثدي، لم يكن أمامي خيار سوى الخضوع لعملية جراحية في ديسمبر/ كانون الأول 2025. استغرقت العملية نحو ثلاث ساعات، وتم خلالها استئصال الثدي الأيسر بالكامل والغدد اللمفاوية، إضافة إلى استئصال كتلة حميدة من الثدي الأيمن. رغم كل ما مررت به، فإن رحلتي مع المرض لم تنتهِ بعد. فما زلت بحاجة إلى المتابعة الطبية والعلاج، وأعيش حالة من القلق بشأن قدرتي على الحصول على الرعاية اللازمة واستكمال علاجي في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها قطاع غزة”.
إن تجربة هذه المريضة لا تمثل حالة فردية معزولة، وإنما تعكس جانباً من الواقع الذي تواجهه آلاف النساء المصابات بالسرطان في قطاع غزة، حيث أصبح الوصول إلى التشخيص والعلاج مرتبطاً بمدى توافر خدمات صحية محدودة ومنهكة، وبإمكانية التنقل والوصول إلى المرافق الطبية، وبالقدرة على تأمين تكاليف العلاج والمواصلات.
ولا تواجه مريضات سرطان الثدي المرض بمعزل عن الظروف الإنسانية الكارثية التي خلفتها الحرب، بل تتضاعف معاناتهن في ظل النزوح المتكرر، وفقدان المساكن ومصادر الدخل، ونقص الغذاء والمياه، وانعدام الخصوصية، وارتفاع تكاليف التنقل. وتزداد هذه الأعباء بالنسبة للنساء اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن أو رعاية أطفالهن أو أفراد آخرين من عائلاتهن.
كما يفرض العلاج الكيميائي وغيره من علاجات السرطان احتياجات غذائية وصحية خاصة، في وقت يعاني فيه سكان قطاع غزة من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي ونقص المياه وتدهور الظروف المعيشية. وفي ظل هذه الظروف، تضطر بعض المريضات إلى مواجهة خيارات قاسية بين تأمين الغذاء لأسرهن وتحمل تكاليف الوصول إلى الخدمات الطبية.
يؤكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن حرمان مريضات سرطان الثدي في قطاع غزة من الأدوية والعلاجات الأساسية، وتعطيل خدمات التشخيص والعلاج والمتابعة الطبية، وعرقلة وصولهن إلى العلاج خارج القطاع عند عدم توفره داخله، يشكل انتهاكاً جسيماً لحقوقهن بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
ويمثل هذا الواقع انتهاكاً للمادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، التي تكفل حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة، وتلزم بضمان الوقاية من الأمراض وعلاجها وإتاحة الخدمات الصحية دون تمييز، بما يشمل حق مريضات سرطان الثدي في التشخيص المبكر والعلاج والمتابعة الطبية المستمرة.
كما يتعارض استمرار حرمانهن من الرعاية الطبية مع الالتزامات الواقعة على عاتق دولة الاحتلال بموجب المادتين (55) و(56) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، ولا سيما ما يتعلق بضمان إمداد السكان بالأدوية والمستلزمات الطبية، والحفاظ على الخدمات والمنشآت الطبية، واتخاذ التدابير اللازمة لضمان الصحة العامة والرعاية الطبية. ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة لمريضات السرطان، إذ قد يؤدي انقطاع العلاج أو تأخيره إلى تفاقم المرض وتقليص فرص الاستجابة للعلاج، بما يهدد الحق في الصحة والحياة.
كما يرى المركز أن استمرار حرمان مريضات سرطان الثدي من العلاج وإخضاع السكان لظروف صحية ومعيشية تقوض فرص البقاء والتعافي يندرج ضمن الأفعال المحظورة بموجب المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، ولا سيما إخضاع جماعة من السكان عمداً لظروف معيشية يُراد بها إهلاكها كلياً أو جزئياً.
في ضوء ما سبق، يطالب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، بالضغط على إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، للوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، وضمان إدخال الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية اللازمة إلى قطاع غزة، ولا سيما ما يتعلق بتشخيص وعلاج سرطان الثدي، وضمان استمرارية خدمات التشخيص والعلاج الكيميائي والإشعاعي والجراحي والمتابعة الطبية. كما يطالب بتسهيل وتسريع الإجلاء الطبي للمرضى الذين يتعذر علاجهم داخل القطاع، وإعادة تأهيل المستشفيات والمراكز المتخصصة والأقسام التشخيصية، وتسهيل دخول الفرق الطبية المتخصصة، وضمان وصول النساء المصابات بسرطان الثدي إلى خدمات الكشف المبكر والتشخيص والعلاج.