التدمير الممنهج للتعليم في قطاع غزة يشكّل إبادةً تعليمية ويُعدّ جزءًا من جريمة الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني
بالتعاون مع مركز فلسطين للدراسات في جامعة الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في لندن وأصدقاء الجامعات الفلسطينية، أصدر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان تقريرًا جديدًا بعنوان “إبادة التعليم والإبادة الجماعية في قطاع غزة: تقييم وشهادات وتحليل قانوني،” يوثّق التدمير الإسرائيلي الممنهج للنظام التعليمي في قطاع غزة، ويفحص كيف تشكّل هذه السياسة جزءًا لا يتجزأ من جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين في قطاع غزة والمستمرة منذ ثلاث سنوات.
ويبيّن التقرير أن الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف قطاع التعليم في قطاع غزة، بما في ذلك المؤسسات التعليمية التابعة للأونروا والعاملين فيها، تتجاوز تدمير مباني المدارس والجامعات وقتل المعلمين الفلسطينيين، لتشكّل سياسة متكاملة تهدف إلى تفكيك الأسس الثقافية والاجتماعية والفكرية والتعليمية اللازمة لبقاء المجتمع الفلسطيني وتطوره.
استنادًا إلى عشرات الشهادات والإفادات التي جمعها باحثو ومحامو المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في قطاع غزة، إلى جانب التوثيق الموسّع الذي أجراه المركز، ومواد من المصادر المفتوحة، وتقارير الأمم المتحدة، والأبحاث الأكاديمية، والاجتهادات القضائية الدولية ذات الصلة، يحدد التقرير خمسة أنماط متداخلة من الإبادة التعليمية، هي: قتل الطلاب والمدرسين والأكاديميين؛ وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي بهم؛ وتدمير المرافق التعليمية؛ وعرقلة إنشاء منشآت تعليمية بديلة؛ وفرض ظروف إبادة جماعية تحول دون وصول الطلاب إلى التعليم.
في يوليو 2026، وثّق المركز مقتل نحو 20,051 طالبًا، إضافة إلى مقتل أكثر من 830 معلمًا وموظفًا في قطاع التعليم، ونحو 194 مفكرًا وأكاديميًا وباحثًا خلال جريمة الإبادة الجماعية. كما تعرضت البنية التحتية التعليمية في قطاع غزة، في مجملها تقريبًا، لأضرار ودمار واسع النطاق، فيما عانى مئات الآلاف من الطلاب من انقطاع مطوّل عن التعليم في ظل النزوح والمجاعة والقصف، وفقدان أفراد من أسرهم، وتدمير منازلهم، وانقطاع الكهرباء، وانعدام الوصول إلى الإنترنت، وانهيار الخدمات الأساسية.
وخلص تقرير المركز إلى أن أفعالًا محددة ارتكبتها إسرائيل في إطار حملتها للإبادة التعليمية تشكّل أفعالًا مكوّنة لجريمة الإبادة الجماعية، وفقًا للمادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، بما في ذلك قتل أفراد من الجماعة المحمية، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بهم، وفرض ظروف معيشية على الجماعة عمدًا، من شأنها أن تؤدي إلى تدميرها المادي، كليًا أو جزئيًا.
ويسلط التقرير الضوء أيضًا على الآثار طويلة الأمد التي خلّفتها هذه السياسات على الأطفال والشباب الفلسطينيين، بما في ذلك الأذى النفسي، وفقدان التعليم، وتضاؤل فرصهم المستقبلية، والصدمات النفسية الممتدة عبر الأجيال. كما أن محو إسرائيل للبنية التحتية التعليمية والحياة المدنية الأوسع في قطاع غزة لا يشكّل اعتداءً على حقوق الجيل الحالي فحسب، بل يمتد أثره إلى الأجيال القادمة.
تاريخيًا، لطالما لعب التعليم دورًا أساسيًا في الحفاظ على الهوية الفلسطينية والمعرفة والتماسك الاجتماعي والاستمرارية الثقافية، ولا سيما في سياق النزوح المطوّل والاحتلال. ولذلك، فإن تدمير الاحتلال للجامعات والمدارس والمكتبات والسجلات الأكاديمية والمؤسسات الثقافية يخلّف آثارًا تتجاوز خسارة البنية التحتية المادية، لتطال النسيج الاجتماعي والثقافي الفلسطيني، وتفصل الفلسطينيين عن تاريخهم وحياتهم الفكرية، وتقوّض قدرتهم على بناء مجتمعهم، وتحرم الأجيال القادمة من وسائل التعلّم والتطور والمشاركة الكاملة في المجتمع.
ويؤكد المركز أن تدمير نظام التعليم في قطاع غزة لم يبدأ في 7 أكتوبر 2023. فعلى مدار عقود، تعرضت المدارس والجامعات والمؤسسات التعليمية الفلسطينية للهجمات والقيود والتدمير خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية المتعاقبة. إلا أن حجم الدمار غير المسبوق منذ أكتوبر 2023 يمثل ذروة وتصعيدًا لهذا النمط المستمر منذ فترة طويلة.
ويدعو المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الأطراف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، إلى: