أغسطس 12, 2026
تجريد سكان غزة من مقومات الحياة وتحويل النزوح إلى واقع دائم: تصاعد مؤشرات خطة التهجير القسري
مشاركة
تجريد سكان غزة من مقومات الحياة وتحويل النزوح إلى واقع دائم: تصاعد مؤشرات خطة التهجير القسري

يواصل مئات آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة العيش قسراً داخل خيام متهالكة ومراكز الإيواء، إثر تدمير أحيائهم السكنية و/ أو إرغامهم على النزوح بفعل العمليات العسكرية الإسرائيلية وأوامر الإخلاء المتكررة. ويواجه النازحون الآن ظروفاً معيشية بالغة القسوة في ظل حرمانهم من العودة إلى مناطق سكناهم، وافتقار مواقع النزوح لأبسط مقومات الحياة الكريمة. وقد تحولت هذه الخيام من مأوى مؤقت إلى واقع إقامة ممتد يتفاقم فيه باضطراد النقص الحاد في المياه والغذاء والأدوية ومواد الإيواء، وتتردى فيه خدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية، بالتوازي مع استمرار استهداف البنية التحتية والمنشآت المدنية، واستمرار فرض قيود مشددة على دخول المساعدات الأساسية ومواد إعادة الإعمار، حيث لم يدخل إلى القطاع كيس أسمنت واحد حتى الآن.

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يرى أن كل هذه الوقائع ليست نتائج عارضة أو مؤقتة، بل تأتي ضمن سياق متكامل من السياسات التي تقوض عمداً مقومات البقاء والاستقرار لسكان القطاع، وتحرمهم من الشروط الضرورية للعيش والعودة إلى أماكن سكناهم. ويؤكد المركز أن تزامن هذه الإجراءات وتراكمها المضطرد يمثل جزءاً من المخطط الإسرائيلي الذي يهدف إلى تهجير سكان قطاع غزة بالكامل، لا سيما مع استمرار وتواتر وتكرار تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي تطرح تهجير السكان أو “تشجيعهم” على المغادرة كحل للأزمة التي تعصف بقطاع غزة. وكان آخر هذه التصريحات تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي طالب فيه المجتمع الدولي بالسماح لسكان قطاع غزة بالمغادرة، مضيفاً أن دولاً ترفض استقبال سكان القطاع حتى لا “تساعد إسرائيل”1 . ومن هذا المنظور(الإسرائيلي)، فإن إبقاء النازحين في بيئة متهالكة، وتدمير منازلهم ومنع إعمارها، وحرمانهم من المقومات والخدمات الأساسية مع استمرار تعريضهم للخطر والقصف والموت يخلق بيئة طاردة تجبر السكان تدريجياً على البحث عن الأمان خارج القطاع.

ويعيش في قطاع غزة حالياً نحو2.17 مليون نسمة، يتركزون في مساحة لا تتجاوز 30% من إجمالي مساحته، في ظل استمرار النزوح واسع النطاق. وتؤكد نتائج تقييم مواقع النزوح الذي نفذته مجموعة إدارة المواقع2 (Site Management Cluster – SMC) 3حجم هذه الأزمة، إذ تشير إلى أن 1,708,822 نازحاً، يمثلون قرابة 354,550 أسرة، يقيمون في 1,591 موقع نزوح موزعة على مختلف محافظات قطاع غزة. ويكشف التقييم أن 83% من هذه المواقع عبارة عن تجمعات عشوائية للخيام أو أماكن مفتوحة تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات الأساسية، في حين لا تتجاوز مراكز الإيواء الجماعية، بما فيها المدارس والمباني العامة 11%، بينما تتوزع النسبة المتبقية من السكان على تجمعات سكانية متفرقة. ولا تعكس هذه الأرقام مجرد اتساع نطاق أزمة إنسانية مؤقتة أو طارئة، وإنما تكشف عن تحول النزوح إلى واقع مستدام ومفروض على مئات آلاف الأسر التي فقدت مساكنها أو حُرمت من العودة إليها، في ظل استمرار تدمير البنية التحتية الضرورية للحياة، بما يفاقم هشاشة النازحين ويجعل استمرار بقائهم في هذه الظروف أمراً بالغ القسوة، ويخلق بيئة طارده للسكان، وهذا ما يسعى إليه الاحتلال من وراء كل سياساته التي يتبعها منذ السابع من اكتوبر 2023، وهو ما أكد عليه المركز الفلسطيني لحقوق الانسان مراراً منذ بدء الهجوم العسكري الاسرائيلي على قطاع غزة.

وتكشف المعطيات الميدانية عن تدهور خطير في أوضاع المأوى؛ فقد تعرضت آلاف الخيام للتلف نتيجة الاستخدام المتواصل والعوامل الجوية القاسية، وأصبحت عاجزة عن توفير الحماية من حرارة الصيف أو الأمطار والرياح خلال الشتاء. وتمزقت أغطية كثير منها وتآكلت أرضيتها، فيما تضطر الأسر إلى ترقيعها بقطع من النايلون والأقمشة المستعملة. وفي مؤشر آخر بالغ الخطورة، ينام نحو 7,700 أسرة، تضم قرابة 38,500 شخص، في العراء داخل مواقع النزوح دون أي خيمة أو مأوى، بينما حُرمت أكثر من136 ألف أسرة، أي نحو 680 ألف شخص، من أي شكل من أشكال مساعدات الإيواء خلال الأشهر الستة الأخيرة. ويزيد الاكتظاظ من قسوة الظروف، إذ يبلغ متوسط الإشغال نحو ستة أفراد في الخيمة الواحدة، رغم أن الخيام الإنسانية مصممة لاستيعاب خمسة أشخاص، فيما يعيش أكثر من 59 ألف خيمة فيها أكثر من ثمانية أشخاص، بما يحرم الأسر من الحد الأدنى من الخصوصية ويضاعف من الضغوط النفسية والاجتماعية والمخاطر التي تواجه النساء والأطفال والفتيات.

محمد أبو عودة، 58 عاماً 4، وهو نازح يقيم مع أسرته المكونة من ثمانية أفراد في خيمة غرب مدينة غزة، يصف ما يعانيه لباحث المركز بما يلي:“لم تعد هذه خيمة، بل قطعة قماش بالكاد تسترنا. نحن نحترق يومياً أنا وأفراد أسرتي بسبب ارتفاع درجات الحرارة؛ الخيمة تتحول إلى فرن، ويكاد يُغمى على أطفالي من شدة الحرارة. وفي الليل لا تحمينا من القوارض والحشرات، فأظل مستيقظاً لحماية أسرتي من القوارض التي تدخل من جوانبها الممزقة. وفي الشتاء لم يكن حالنا أفضل، فقد تسربت مياه الأمطار إلى داخل الخيمة عدة مرات، وأغرقت الفرشات والأغطية والملابس. الخيمة ضيقة ولا تحتمل استيعاب ثمانية أفراد، وأبنائي ينامون متلاصقين على الأرض في وضع إنساني مهين. ومنذ أشهر أصبحت خيمتنا متهالكة، ولا توجد جهة توفر لنا خيمة جديدة، ولا أستطيع شراء واحدة، إذ يتجاوز سعرها 1500–2000 دولار، وهو مبلغ لا أستطيع توفيره، فأنا عاطل عن العمل منذ أكثر من عامين.”

ولا تقتصر معاناة النازحين في قطاع غزة على افتقارهم إلى مأوى آمن وملائم، بل تمتد إلى الانهيار المتواصل في خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة العامة داخل مواقع النزوح، بما يحوّلها إلى بيئات شديدة الهشاشة والتلوث تهدد صحة السكان وسلامتهم وكرامتهم الإنسانية بصورة يومية.  وتعتمد غالبية هذه المواقع على نقل مياه الشرب بواسطة الصهاريج، في ظل تعطل أو تدمير أجزاء واسعة من شبكات المياه، ما يجعل حصول النازحين على المياه رهناً بتوافر الوقود وانتظام عمليات النقل والتوزيع. ويحرم هذا الواقع مئات آلاف النازحين من كميات كافية من المياه للشرب والاستخدامات المنزلية، ويدفع الأسر إلى تقنين استهلاكها والمفاضلة بين احتياجاتها الأساسية، بحيث تعطى الأولوية للشرب والطهي على حساب الغسيل والاستحمام والتنظيف، الأمر الذي يفاقم مخاطر الأمراض المرتبطة بنقص المياه وسوء النظافة، ولا سيما بين الأطفال.

وفي الوقت ذاته، تتفاقم أزمة الصرف الصحي، حيث يفتقر كثير من مواقع النزوح إلى مرافق صحية ملائمة وآمنة وكافية، ما يضطر بعض النازحين إلى استخدام وسائل بدائية لقضاء حاجتهم أو اللجوء إلى العراء، بما يمس خصوصيتهم وكرامتهم ويعرض النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة لمخاطر إضافية. كما تتسرب مياه الصرف الصحي أو تتجمع بالقرب من الخيام، وتنتشر الحفر الامتصاصية البدائية وتتراكم النفايات الصلبة في محيط أماكن الإقامة. ومع غياب خدمات منتظمة لجمع النفايات ومعالجة المياه العادمة وتصريفها، تتحول مواقع النزوح إلى بيئات ملوثة تنتشر فيها الحشرات والقوارض والروائح الكريهة، بما يزيد من مخاطر تلوث المياه والطعام وانتشار الأمراض، ويجعل ظروف الإقامة فيها غير ملائمة للحياة الكريمة.

وفي هذا السياق، أفادت إنعام سرسك، 29 عاماً 5، وهي نازحة وأم لخمسة أطفال، وتقيم في إحدى الخيام بمدينة غزة، لباحث المركز بما يلي:“نقضي ساعات طويلة في انتظار وصول صهريج المياه، وأحياناً ننتظر طوال اليوم دون أن يصل. وعندما تصل المياه، لا تكون الكمية كافية لتلبية احتياجات الأسرة، فنضطر إلى تقسيمها بين الشرب والطهي والغسيل والاستحمام والتنظيف، والاستغناء عن بعض الاحتياجات الأساسية. كما أن دورات المياه بعيدة عن الخيام، ومكتظة وغير نظيفة، ولا تتوفر فيها دائماً المياه أو مواد التنظيف، ويكون الأمر أصعب على الأطفال، خصوصاً في الليل”.

وتكشف هذه الإفادة عن حرمان الأسر النازحة من الحد الأدنى من متطلبات المياه والإصحاح والنظافة، وعن اضطرارها إلى المفاضلة بين احتياجات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، في حين يواجه الأطفال بصورة خاصة مخاطر متزايدة نتيجة الاكتظاظ، وتردي ظروف المرافق الصحية، وعدم انتظام خدمات المياه والنظافة.

ومن جهته، يسلّط ماهر أبو الروس، 50 عاماً6، وهو نازح ويعيل أسرة مكونة من 11 فرداً ويقيم حالياً في منطقة مواصي خانيونس، في إفادته لباحث المركز يسلط الضوء على تدهور البيئة المحيطة بمواقع النزوح، إذ قال:“النفايات تحيط بالخيام من كل جانب، وتتراكم أحياناً لأيام قبل جمعها، ومع ارتفاع درجات الحرارة تنتشر الروائح الكريهة والحشرات والذباب والبعوض.  نحاول إبعاد الأطفال عنها، لكنهم يعيشون في مساحة ضيقة ولا نستطيع عزل الخيمة عن البيئة المحيطة.  كما تتجمع المياه العادمة بالقرب من الخيام أو تمر في الممرات، ما يزيد مخاوفنا على صحة الأطفال، الذين يعانون أحياناً من الطفح الجلدي والحكة والالتهابات.  نعاني أيضاً من نقص المياه، فالكميات المتوفرة لا تكفي للشرب والطهي والتنظيف والغسيل والاستحمام، ونضطر إلى إعطاء الأولوية للشرب والطهي وتأجيل باقي الاحتياجات.  أما مواد النظافة، فعندما يتوفر المال نضطر إلى الاختيار بينها وبين الطعام والمياه، وغالباً ما يكون الطعام هو الأولوية، فنضطر إلى تحمل ظروف النظافة الصعبة”.

وتظهر هذه الشهادة كيف تتداخل مشكلات تراكم النفايات، وتصريف المياه العادمة، وشح المياه، ونقص مستلزمات النظافة لتشكّل بيئة معيشية شديدة الخطورة على النازحين، ولا سيما الأطفال، الذين يتعرضون بصورة متزايدة لمخاطر التلوث والأمراض الجلدية وغيرها من التداعيات الصحية، فيما تضطر الأسر إلى المفاضلة بين الغذاء والمياه ومواد النظافة، بما يحرمها من الحد الأدنى من مقومات البيئة الصحية والعيش بكرامة.

ولا يمثل استمرار حرمان مئات آلاف النازحين من المياه الكافية وخدمات الصرف الصحي ومواد النظافة الأساسية مجرد تراجع في مستوى الخدمات الإنسانية، وإنما يمس بصورة مباشرة مجموعة مترابطة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي مقدمتها الحق في مستوى معيشي لائق، والحق في الصحة، والحق في المياه، والحق في السكن الملائم، والحق في التمتع بظروف صحية وبيئية ملائمة. كما أن اضطرار المدنيين إلى قضاء حاجتهم في العراء أو استخدام وسائل بدائية، وإقامتهم بجوار المياه العادمة والنفايات والحشرات والقوارض، يمثل مساساً خطيراً بكرامتهم الإنسانية وخصوصيتهم وسلامتهم، ولا سيما عندما يستمر ذلك لفترات طويلة من دون توفير بدائل آمنة وملائمة.

كما تحولت مواقع النزوح، في ظل الاكتظاظ وتلوث البيئة وشح المياه وانعدام النظافة وانهيار المنظومة الصحية، إلى بيئة خصبة لانتشار الأمراض وتدهور الأوضاع الصحية للنازحين. وتتفاقم هذه المخاطر مع نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وصعوبة الوصول إلى الخدمات العلاجية، بما يجعل الأمراض التي يمكن الوقاية منها أو علاجها أكثر خطورة، ويعرض بصورة خاصة الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة ومرضى الأمراض المزمنة لمخاطر متزايدة. وتظهر المعطيات الميدانية انتشار الأمراض الجلدية والحمى وأمراض الجهاز التنفسي والإسهال الحاد بين النازحين، مع ارتفاع الحالات المرضية في المواقع التي تشهد تجمعاً لمياه الأمطار أو تسرباً لمياه الصرف الصحي، بما يعكس الارتباط المباشر بين تدهور البيئة المحيطة بالخيام وتفاقم الأوضاع الصحية.

ولا تقتصر المخاطر على الأمراض، بل تمتد إلى مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة المنتشرة في محيط عدد من مواقع النزوح، ما يعرض السكان، ولا سيما الأطفال، لخطر الإصابة أو الموت. وتزداد خطورة هذه المخلفات في ظل غياب التوعية الكافية بمخاطرها، واتساع رقعة المواقع المفتوحة التي يستخدمها الأطفال للعب والتنقل، بما يجعلهم عرضة للتعامل مع أجسام قد تبدو لهم غير خطرة دون إدراك لطبيعتها.

وتواجه النساء والفتيات داخل مواقع النزوح مخاطر مضاعفة نتيجة الاكتظاظ وانعدام الخصوصية وصعوبة الوصول إلى مرافق صحية آمنة ونظيفة ونقص مستلزمات النظافة الشخصية، فضلاً عن المخاوف المتعلقة بالحماية، ولا سيما خلال ساعات الليل. كما يواجه كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة صعوبات إضافية في التنقل والوصول إلى الخدمات، بسبب وعورة الأرض وغياب الممرات المهيأة وبعد المرافق الصحية ودورات المياه، ما يضطر بعضهم إلى الاعتماد المستمر على أفراد أسرهم لقضاء احتياجاتهم الأساسية.

وفي هذا السياق، أفاد سامي أبو حلاوة، 67 عاماً7 ، وهو يعاني من إعاقة حركية، ويقيم في إحدى الخيام بدير البلح، لباحث المركز بما يلي:“أحتاج إلى شخص يساعدني في كل مرة أريد فيها الذهاب إلى دورة المياه، لأنها بعيدة والطريق إليها غير ممهد. أحياناً أبقى داخل الخيمة لساعات طويلة لأنني لا أستطيع الحركة بمفردي. أشعر أن المكان غير مهيأ لنا، وكأن احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة لم تؤخذ في الاعتبار. حتى أبسط الأمور، مثل الوصول إلى دورة المياه أو الحصول على المياه، أصبحت تحتاج إلى مساعدة من شخص آخر.”

وتتفاقم هذه المخاطر مع حلول الليل، في ظل غياب الإنارة الكافية في معظم مواقع النزوح، ما يترك الأسر في ظلام يزيد من مخاطر التعثر والحوادث، ويحد من قدرة السكان على الوصول إلى دورات المياه والمرافق الأساسية بعد غروب الشمس. كما يضاعف ذلك مخاوف النساء والأطفال ويعمق شعورهم بعدم الأمان، ويزيد من هشاشة الفئات الأكثر عرضة للمخاطر داخل مواقع النزوح.

ولا تقتصر معاناة النازحين في قطاع غزة على فقدان المأوى وتدهور الخدمات الأساسية، بل تمتد إلى صعوبة الحصول على الغذاء ووسائل الطهي الآمنة، في ظل فقدان مصادر الدخل وتراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية. ويضطر كثير من النازحين إلى استخدام الحطب والمواد البديلة، بما فيها البلاستيك والنفايات، لإعداد الطعام، رغم ما يترتب على ذلك من مخاطر صحية وبيئية، ولا سيما على الأطفال وكبار السن والمرضى. كما أن غياب وسائل الطهي في بعض مواقع النزوح يدفع الأسر إلى تقليل وجباتها أو الاعتماد على أطعمة جاهزة لا تتوافر بصورة منتظمة.

وتختصر إفادة رحاب عمران، 18 عاماً 8، ونازحة حالياً مع أسرتها في مدينة غزة، جانباً من هذه المعاناة، إذ قالت:
“قد نحصل أحياناً على بعض الطعام، لكننا لا نجد ما نطهوه به. نجمع قطع الخشب والكرتون، وعندما لا نجد شيئاً نضطر إلى حرق البلاستيك، رغم الدخان الخانق الذي يملأ الخيمة ويسبب السعال للأطفال”.

ولا تعكس هذه الإفادة مجرد نقص في وسائل الطهي، وإنما تكشف عن اضطرار الأسر إلى الاختيار بين الجوع ومخاطر صحية مباشرة من أجل إعداد الطعام.

وتتفاقم أوضاع النازحين بفعل انعدام الأمان القانوني لمواقع إقامتهم، إذ يقيم كثير منهم على أراضٍ خاصة أو في مواقع لا توفر لهم أي ضمانات قانونية للاستمرار فيها، ما يجعلهم عرضة للضغط والإخلاء في أي وقت.  ويضطر بعضهم، رغم فقدان منازلهم ومصادر دخلهم، إلى دفع مبالغ مالية مقابل إقامة خيامهم على أراضٍ خاصة، فيما يؤدي غياب الإدارة والتنظيم في العديد من مواقع النزوح إلى زيادة صعوبة الوصول إلى المساعدات والخدمات وآليات الحماية.

ويعبر أحمد أبو ميري، 33 عاماً،9 والنازح حالياً مع أسرته في خيمة أقيمت على أرض خاصة، عن هذا الشعور المستمر بانعدام الأمان، قائلاً:
“لم نفقد منزلنا فقط، بل أصبحنا ندفع إيجاراً للأرض التي نضع عليها الخيمة. نخشى أن يُطلب منا الرحيل في أي لحظة، ولا نعرف إلى أين سنذهب إذا حدث ذلك”.

وتكشف هذه الإفادة عن أحد أكثر أوجه النزوح قسوة، حيث لا يفقد النازح مسكنه فحسب، بل يفقد أيضاً الشعور بالأمان والاستقرار في المكان الذي لجأ إليه، ويظل معرضاً لخطر الإخلاء دون أن يكون أمامه بديل آمن.

إن استمرار هذه الظروف يحول الخيام من وسيلة إيواء مؤقتة إلى واقع قسري طويل الأمد، في ظل تعذر العودة إلى المساكن المدمرة واستمرار القيود التي تحول دون إعادة الإعمار.  وبذلك، لا تقتصر آثار هذه الأوضاع على تفاقم الأزمة الإنسانية، وإنما تسهم في خلق بيئة معيشية تتسم بالفقر وانعدام الأمن وعدم الاستقرار، وتدفع السكان إلى العيش في حالة دائمة من الخوف وعدم اليقين بشأن قدرتهم على البقاء في أماكن إقامتهم والعودة إلى منازلهم، بما يمس بصورة مباشرة حقهم في السكن الملائم والأمان والاستقرار.

إن استمرار إجبار مئات آلاف الفلسطينيين على العيش لفترات طويلة في خيام متهالكة ومراكز إيواء تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، لا يمثل مجرد أزمة إنسانية ناجمة عن النزاع المسلح، وإنما يشكل انتهاكاً جسيماً ومركباً لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.  فالمعاناة التي يعيشها النازحون لا تقتصر على فقدان المساكن، بل تشمل حرمانهم من عناصر أساسية لا غنى عنها للعيش بكرامة، وفي مقدمتها المأوى الآمن، والمياه، والغذاء، والصحة، والخصوصية، والأمن الشخصي.

ويكفل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المادة (11) حق كل إنسان في مستوى معيشي كافٍ له ولأسرته، بما يشمل السكن الملائم.  وقد أوضحت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في تعليقها العام رقم (4) أن الحق في السكن الملائم لا يقتصر على وجود مأوى مادي، وإنما يشمل توافر الأمن القانوني للحيازة، وإمكانية الحصول على الخدمات الأساسية، والصلاحية للسكن، والحماية من المخاطر الصحية والبيئية، والقدرة على العيش بكرامة وخصوصية.  ومن ثم، فإن إبقاء المدنيين لشهور طويلة داخل خيام متهالكة تفتقر إلى هذه المقومات يشكل انتهاكاً واضحاً لهذا الحق.

كما أكدت اللجنة، في تعليقها العام رقم (7)، أن الحماية من الإخلاء القسري تعد جزءاً لا يتجزأ من الحق في السكن الملائم، وأنه لا يجوز تعريض الأشخاص لخطر فقدان المأوى أو الحرمان من الحماية القانونية.  وتزداد خطورة الوضع في قطاع غزة في ظل تعرض العديد من مواقع النزوح لضغوط أو تهديدات بالإخلاء، وافتقار غالبية النازحين إلى أي سند قانوني يضمن استقرارهم في أماكن إقامتهم المؤقتة.

ويعتبر حرمان السكان المدنيين من العودة إلى مساكنهم، مع استمرار تدميرها أو عرقلة إعادة بنائها، انتهاكاً خطيراً للمادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل أو التهجير القسري للأشخاص المحميين.  كما تتحمل إسرائيل بموجب نفس الاتفاقية، وبصفتها القوة القائمة بالاحتلال، التزامات واضحة، تشمل حماية السكان المدنيين، وضمان تلبية احتياجاتهم الأساسية، والسماح بمرور المساعدات الإنسانية، وحظر التهجير القسري، وعدم تدمير الممتلكات المدنية إلا في الحدود التي تفرضها ضرورة عسكرية حتمية.

ولا يمكن النظر إلى استمرار النزوح بمعزل عن مجمل السياسات التي فرضت على سكان قطاع غزة منذ بدء الهجوم العسكري، والتي شملت التدمير الواسع للمساكن والبنية التحتية، والقيود المشددة على دخول المواد الأساسية، واستمرار حرمان المدنيين من المياه والغذاء والرعاية الصحية والمأوى الملائم.  إن هذه الوقائع، عند تقييمها بصورة تراكمية تؤكد تعمد اسرائيل إخضاع السكان المدنيين الفلسطينيين لظروف معيشية من شأنها أن تؤدي إلى إهلاكهم كلياً أو جزئياً، وهو أحد أفعال الإبادة التي تندرج ضمن المادة الثانية (ج) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948.

كما يتعارض استمرار هذه الأوضاع مع التدابير المؤقتة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في الدعوى المتعلقة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، والتي أكدت على ضرورة اتخاذ جميع التدابير الكفيلة بضمان وصول الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية ومنع تفاقم الظروف المعيشية التي تهدد حياة المدنيين في قطاع غزة. 

في ضوء ما سبق، يطالب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل من أجل الوقف الفوري لجميع الإجراءات التي تؤدي إلى استمرار النزوح القسري، ورفع القيود المفروضة على إدخال الخيام والكرفانات ومواد الإيواء والبناء والمعدات اللازمة لإزالة الركام وإعادة تأهيل المساكن والبنية التحتية، وضمان تمكين المدنيين من العودة الآمنة والطوعية والكريمة إلى مناطقهم ومساكنهم، وضمان توفير الظروف والمستلزمات اللازمة لإعادة الإعمار على نحو عاجل، بما يتيح استعادة المساكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية ويضع حداً لاستمرار النزوح والاعتماد على المساكن المؤقتة.  كما يدعو المركز الدول المانحة ووكالات الأمم المتحدة إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتوفير المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي والنظافة والغذاء والدواء والوقود، ودعم برامج الإيواء الطارئ وإعادة الإعمار بما ينهي اعتماد الأسر النازحة على الخيام ويوفر لها مساكن آمنة ولائقة.


  1. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يطالب العالم بالسماح لسكان قطاع غزة بالمغادرة، مضيفا أن هناك دولا ترفض استقبال سكان القطاع حتى لا تساعد إسرائيل، الجزيرة نت، 4/8/2026. للمزيد أنظر ↩︎
  2. هي آلية تنسيق إنسانية تُعنى برصد وتقييم أوضاع مواقع النزوح الداخلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، ولا سيما قطاع غزة، وجمع البيانات المتعلقة بأعداد النازحين وظروف إقامتهم واحتياجاتهم الأساسية ومخاطر الحماية التي تواجههم، بما يدعم التخطيط للاستجابة الإنسانية وتنسيقها. ↩︎
  3. Site Management Cluster in the Occupied Palestinian Territory, Gaza Displacement Site Verification Assessment: Baseline Findings for May 2026 Humanitarian Planning and Coordination, June 2026. See: انظر ↩︎
  4. مقابلة أجراها باحث المركز مع محمد أبو عودة بتاريخ 2/8/2026. ↩︎
  5. مقابلة أجراها باحث المركز مع إنعام سرسك بتاريخ 2/8/2026. ↩︎
  6. مقابلة أجراها باحث المركز مع ماهر أبو الروس بتاريخ 8/8/2026. ↩︎
  7. مقابلة أجراها باحث المركز مع سامي أبو حلاوة بتاريخ 8/8/2026. ↩︎
  8. مقابلة أجراها باحث المركز مع رحاب عمران بتاريخ 8/8/2026. ↩︎
  9. مقابلة أجراها باحث المركز مع أحمد أبو ميري بتاريخ 8/8/2026. ↩︎