أكتوبر 31, 2026
علام شبير.. رياضي بترت ساقاه بقصف إسرائيلي
مشاركة
علام شبير.. رياضي بترت ساقاه بقصف إسرائيلي

في غرفة صغيرة من شقته بمخيم الشاطئ شمال غربي مدينة غزة، يتمرّن المواطن الفلسطيني علام محمد شبير (39 عامًا) كل يوم، يجلس على كرسيه المتحرك ويرفع جسده بإصرار، لأن الرياضة كانت حياته قبل أن تبتر غارة إسرائيلية ساقيه، محددا هدفه الحالي أن يكون جسده جاهزًا لحمل الأطراف الصناعية حين تتوفر.

رغم الوجع الكبير، لم تفارق الابتسامة وجه علام طوال حديثه إلى باحثة المركز، ولم تغب عن ملامحه علامات الرضا رغم كل ما مرّ ويمر به وسط حملة الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة.

يقول علام: “لا مجال عندي للحزن ولا للاكتئاب، فما حدث قد حدث ولن يعيده الندم، وأنا أؤمن بقضاء الله وقدره وأتعامل مع حالتي بالرضا والصبر.”

رياضي أحب الميدان منذ الطفولة

لعلام تاريخ حافل مع الرياضة، فقد تخرج من كلية التربية الرياضية في جامعة الأقصى، وهو اليوم طالب ماجستير وموظف في وزارة الشباب والرياضة، وسبق أن لعب كرة القدم في نادييْ الصداقة وخدمات الشاطئ، وعمل مدربًا للسباحة، وكان يقود الدراجة الهوائية يوميًا مع أصدقائه الرياضيين من ميناء غزة إلى رفح.

يستعيد علام تلك الأيام فيقول: “منذ طفولتي أحببت الرياضة، وكانت كرة القدم أول حب في حياتي، فكنت ألعبها في حارات المخيم.”

وكان ناشطًا رياضيًا يشجع شباب المخيم على بناء أجسامهم وعقولهم، فهو كما يقول مؤمن بأن “العقل السليم في الجسم السليم”.

قبل عدوان إسرائيل العسكري على قطاع غزة في أكتوبر 2023، كان علام يضع اللمسات الأخيرة على مشروع حياته: نادٍ رياضي شامل للرجال والنساء يجمع بين الصحة واللياقة والوعي المجتمعي. عنه يقول: “كنت أرى أنه سيكون خدمة حقيقية لأهلي في المخيم.”

الحرب تقلب الحياة وتأخذ الأم

بعد أيام قليلة من بدء حرب الإبادة الجماعية، نزحت عائلة علام إلى جنوب القطاع بسبب الحالة الصحية الحرجة لوالدته، التي كانت تعاني فشلًا كلويًا وتحتاج إلى جلسات غسيل منتظمة، أما هو فاختار البقاء في مدينة غزة، وتنقل بين مجمع الشفاء الطبي والمستشفى الأهلي العربي (المعمداني)، ثم عاد إلى بيته في مخيم الشاطئ. وهناك حاول أن يحافظ على لياقته بتمارين بسيطة داخل غرفته. ويقول: “حاولت أن أحافظ على لياقتي وعلى جزء من حياتي القديمة رغم الدمار والخوف من حولي.”

لا يزال يتذكر كيف عاش أيام المجاعة الأولى وحيدًا، ويصفها بقوله: “كانت أيامًا صعبة جدًا، كنت أبحث عما أسد به رمقي، ولم يكن الأمر سهلًا أبدًا.”

في ديسمبر 2023، وصله خبر وفاة والدته في جنوب قطاع غزة بعد توقف أجهزة غسيل الكلى وانهيار المنظومة الصحية. ويقول: “رحلت دون أن أودّعها، وما زال غيابها جرحًا في قلبي لا يندمل.”

ورغم النزوح المستمر والمجاعة والأحزمة النارية والقصف، لم يتوقف علام عن تشجيع شباب المخيم على الرياضة ونشر الأمل بينهم.

لحظة الاستهداف

في عام 2025، تجددت أزمة الغذاء، وتقدمت آليات الاحتلال الإسرائيلي واشتد القصف، وطلب الاحتلال مرة أخرى من سكان مدينة غزة والشمال النزوح جنوبًا. انتقل والده إلى دير البلح ونصب خيامًا في أرض استأجرها، وطلب منه الالتحاق بهم. يقول علام: “أخبرته أنني سأنقل بعض الأغراض عند صديق، وسألحق بكم.”

وفي 20/9/2025، وهو اليوم الذي قرر فيه التوجه جنوبًا، ذهب إلى مفترق السامر وسط مدينة غزة للقاء أحد أصدقائه، فوقع استهداف إسرائيلي في المكان. يتذكر بمرارة تفاصيل تلك اللحظات: “فقدت وعيي، وحين أفقت وجدت نفسي في المستشفى الأهلي العربي (المعمداني)، وهناك واجهت الحقيقة القاسية، فقد بُترت ساقاي الاثنتان، وأصيبت يدي اليمنى إصابة دائمة حرمتني من إغلاق كفي.”

لم يكن علام الرياضي الوحيد الذي استهدفته نيران الاحتلال خلال حملة الإبادة الجماعية في قطاع غزة. فخلال السنوات الثلاث الماضية تسببت هجمات قوات الاحتلال بقتل 1014 رياضيا، وإصابة المئات عدد منهم أصيبوا بحالات بتر أو إعاقات دائمة، إضافة إلى تدمير 286 منشأة رياضية شملت مقرات المجلس الأعلى للشباب والرياضة واللجنة الأولمبية والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم وعددًا كبيرًا من الأندية والأكاديميات والاتحادات، وفق اللجنة الأولمبية الفلسطينية والاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي.

من العلاج إلى التأهيل

أمضى علام شهرين في المستشفى البلجيكي الميداني في الزوايدة، وسط القطاع، بين العلاج والتأهيل، وخضع للعلاج الطبيعي، وتسلّم كرسيًا متحركًا يتنقل به. يقول: “كانت الأيام صعبة جدًا، لكنني، وأنا الذي بنيت حياتي على أن الجسد يبنى بالإرادة، رفضت أن أستسلم للواقع الجديد.”

حلم لم يمت

رغم ما أحل به يطارد علام أحلامه، فقد خصص إحدى غرف شقته ملحقًا رياضيًا يتمرن فيه يوميًا للحفاظ على كتلته العضلية وتقوية جسمه. يقول: “هدفي واضح، أن يكون جسدي جاهزًا لحمل الأطراف الصناعية في حال توفرها، لأعود إلى الحركة والحياة بقدر ما أستطيع.”

تبدو المخاطر في غزة كبيرة، فكل يوم هناك قصف وغارات ونقص عاج، إلا أن حلم علام بالنادي الرياضي الكبير حاضرًا في مخططاته.