سبتمبر 8, 2026
غزل الترك.. طفلة انتزع منها القصف الإسرائيلي كل شيء إلا نبضها
مشاركة
غزل الترك.. طفلة انتزع منها القصف الإسرائيلي كل شيء إلا نبضها

على سرير العلاج في مستشفى الرنتيسي للأطفال في غزة، ترقد الطفلة غزل إيهاب خضر الترك بلا حراك، عيناها مغمضتان وجسدها الصغير غارق بين الأغطية الزرقاء، وأنبوب رفيع يمر عبر أنفها ليغذيها ويعينها على التنفس. لا صوت يصدر عنها ولا حركة تشي بأنها ما زالت تدرك ما يجري من حولها، سوى ارتفاع صدرها الخفيف مع كل شهيق تسنده الأجهزة.

بجانبها يجلس والدها، 45 عاما، كعادته، يراقب كل تشنج يعتري جسدها وكل سعال يهدد تنفسها، حاملاً في هاتفه صورة لها يعود إليها كلما اشتد به الحنين، غزل حين كانت بعمر 5 سنين، بقبعة بيضاء وبلوزة وردية مطرزة بقطة مبتسمة، تجلس على رمال البحر ووجهها ينضح بالحياة، يقول إنها صورة بقيت لها وهي بصحة جيدة، إذ فقد بقية صور طفولتها مع كل ما فقده من بيته ومقتنياته جراء القصف والنزوح المتكرر.

سبع سنوات تفصل بين الصورتين، لكن غزل التي بلغت الثانية عشرة تبدو اليوم أنحف وأصغر مما كانت عليه في الخامسة، وكأن الزمن توقف بها عند لحظة الإصابة، بينما نحل جسدها وتوقفت قدرتها على الحركة والكلام واللعب.

في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، كانت غزل تعيش يوماً جديدا من أيام حملة الإبادة الجماعية في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، حين قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزل جيرانها من عائلة العماوي. اخترقت الشظايا رأسها في تلك اللحظة، وجرى إخراجها من تحت الركام بإصابة بالغة أدت إلى شلل رباعي كامل وفقدان القدرة على الحركة والكلام، ترافقه تشنجات وآلام مستمرة وعجز عن التحكم في الإخراج.

الفقدان الكبير

لم يقتصر أثر القصف على إصابة غزل وحدها، بل أودى بحياة سبعة من أفراد عائلتها، هم والدتها مها خميس إبراهيم الترك، 38 عاماً، وجدها خضر محمد حسين الترك، 69 عاماً، وخمسة أطفال من أبناء أعمامها هم: مؤمن، سنتان، وزين، 7 سنوات، وشام، 5 سنوات، ومعين، 4 أشهر، وليان، 13 عاماً، إضافة إلى أربعة من جيرانهم في عائلة العماوي.

يروي والد غزل تفاصيل تلك اللحظة القاسية بصوت يحاول أن يبقى متماسكاً:“كانت إصابة طفلتي الأصعب من بين المصابين، حيث اخترقت الشظايا رأسها وتسبب ذلك في إصابتها بشلل رباعي كامل ومعاناة من تشنجات وآلام مستمرة، وفقدان القدرة على الكلام، وعدم القدرة على التحكم في الإخراج”.

ويضيف أن ابنته تنقلت بعد إصابتها بين عدة مستشفيات، من الشفاء إلى المعمداني فأصدقاء المريض فالقدس، قبل أن تستقر في الرنتيسي.

مع غياب الأم، وقعت أعباء رعاية غزل على والدها بالدرجة الأولى، وعلى إخوتها ثانياً. يتحدث شقيقها محمد إيهاب خضر الترك، 17 عاماً، لباحث المركز، عن هذه المسؤولية التي فرضتها الحرب عليه وهو لم يزل صبياً:“بعد إصابة أختي غزل بالشلل جراء القصف واستشهاد والدتي، تكفل والدي بالاعتناء بها بشكل أساسي، ولا يتركها إلا في أوقات محدودة ولظروف طارئة. وعند غيابه، أقوم أنا أو أخي بلال، 20 عاما، بالاعتناء بها لوقت قصير”.

ويصف محمد لحظات العجز التي يعيشها حين يكون وحده معها: “في الأوقات التي أعتني بها، تصاب بتشنجات لا أستطيع مساعدتها فيها، أو تتعرض للشرقة، فأجري فوراً إلى الممرض المناوب في المستشفى لمساعدتها. أشعر بالحزن والألم الشديد عندما لا أستطيع مساعدة من أحب”.

التشخيص الطبي واحتياجات العلاج

يوضح الطبيب المعالج لغزل الدكتور باسم أبو عاصي، أنها تعاني من شلل دماغي رباعي ناتج عن الإصابة المباشرة في رأسها خلال القصف الإسرائيلي، ترافقه نوبات تشنج عصبي متكررة وغير مسيطر عليها، إضافة إلى فقدان كامل للتحكم في عمليتي الإخراج والتبول، وهي حالة تستدعي دخولها المستشفى بشكل متكرر كلما تفاقمت الأعراض. وتتابع غزل حالتها في عيادة الأعصاب بمستشفى الأطفال، حيث تتناول عدة أنواع من الأدوية للسيطرة على التشنجات والحد من مضاعفات إصابتها.

ويشير إلى أنها تعاني من صعوبة في البلع ما أدى إلى فقدان في وزنها، وأصبح لديها مشاكل في الجهاز البولي والجهاز الهضمي. كما أن الطفلة لديها الكثير من الإفرازات من جهاز التنفس ما يستدعي عمليات تنظيف ومسح مستمرة لها، ولو غفل عنها والدها ساعتين يمكن أن تموت، لذلك يبقى متيقظا ومتابعا، طوال الوقت. نتيجة كل التداعيات أصبحت الطفلة تعاني من ضعف المناعة وارتفاع مستمر في درجه الحرارة ولا ينفع معها أي نوع من أنواع المضادات الحيوية.

وإلى جانب العلاج الدوائي، تحتاج غزل إلى جلسات علاج طبيعي منتظمة لأطرافها للحد من التيبس العضلي الناتج عن الشلل، كما تعتمد في تغذيتها على حليب علاجي خاص من نوع “Pediasure” لتعويض ما تفتقده من عناصر غذائية بسبب عجزها عن البلع الطبيعي، إضافة إلى حاجتها المستمرة إلى جهاز بخاخ للجهاز التنفسي وأسطوانات أكسجين تكفل استقرار تنفسها، وهي احتياجات باتت تشكل عبئاً يومياً إضافياً على عائلتها في ظل تدهور الخدمات الصحية وشح الإمدادات الطبية داخل القطاع.

يقول والد الطفلة:“عند دخول طفلتي غزل إلى مستشفى الرنتيسي للأطفال في مارس 2026 بلغ وزنها حوالي 20 كجم، وهو أقل من الوزن الطبيعي لعمرها بحوالي 20 كجم•؛ وذلك بسبب إصابتها بالشلل وبسبب عدم قدرتها على تناول الطعام والبلع، ويتم تغذيتها بالحليب بواسطة نبوب عبر الانف”.

النزوح والمجاعة

عاشت العائلة تجربة نزوح متكررة وشاقة، تنقلت خلالها سبع مرات داخل مدينة غزة ومرة واحدة خارجها إلى دير البلح، من عيادة الوكالة في حي الدرج إلى مدرسة أوائل وقادة، فمنزل الأقارب في الصبرة، فخيمة قرب الميناء، وصولاً إلى العودة مجدداً إلى عيادة الوكالة حيث تقيم العائلة حتى الآن.

ويصف الوالد وطأة تلك المرحلة: “تجربة النزوح القسري قاسية وأرهقتنا وكانت مكلفة مادياً بالرغم من عدم وجود مصدر دخل ثابت، وتضاعفت مشقة النزوح مع حالة غزل الصحية التي تحتاج إلى رعاية متواصلة على مدار الساعة. وكان فقدان الزوجة والأم فقداناً مؤثراً جعلني أتحمل أعباء رعاية ابنتي غزل بالدرجة الأولى، وساعدني إخوتها في رعايتها، وكان ذلك في ظل غياب الشعور بالأمان والخوف”.

ولم تكن قسوة المجاعة أقل إيلاماً من قسوة الإصابة والفقد، فقد اضطر الأب في أوقات كثيرة إلى طلب الخبز من الآخرين لإطعام أبنائه، وخصوصاً غزل التي كان يقدم لها الخبز مع الشاي أو الماء الساخن، معتمداً أحياناً على البسكويت والمكملات الغذائية إن توفرت داخل المراكز الصحية.

الوضع الحالي وانتظار العلاج

تمكث غزل منذ مارس/آذار 2026 في مستشفى الرنتيسي، بعد تدهور طرأ على حالتها وإصابتها بالتهابات في الصدر جعلتها تعتمد كلياً على التنفس الاصطناعي والتغذية عبر أنبوب أنفي. وحصلت في يوليو/تموز 2026 على تحويلة للعلاج خارج القطاع، بعدما تعذر إجراء العمليات الجراحية الدقيقة التي قد تساهم في تنشيط خلايا دماغها داخل غزة لغياب الإمكانيات اللازمة.

وما تزال حتى اللحظة تنتظر الموافقة الأمنية من سلطات الاحتلال للسفر، أملاً في ترميم ما تبقى من جسدها الصغير واستعادة جزء من طفولتها المسلوبة. فهل تأتي هذه الموافقة قريباً، أم تبقى عالقة كما حال نحو عشرين ألف مريض ما زالوا ينتظرون على القوائم ذاتها، بين احتمال أن يفتح لهم باب النجاة واحتمال أن يطول بهم الانتظار حتى يفوت الأوان؟