يصادف اليوم مرور ثلاث سنوات على شنّ قوات الاحتلال الإسرائيلي حملتها العسكرية المستمرة للإبادة الجماعية بحق أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة. ثلاث سنوات من القتل الجماعي والإصابات والجوع والتهجير القسري والنزوح المتكرر، وتدمير المنازل والبنية التحتية المدنية، والاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري، والتدمير المنهجي للظروف المعيشية الأساسية اللازمة لبقاء السكان على قيد الحياة.
كان الهدف من هذه الإبادة، ولا يزال، تدمير حياة الفلسطينيين في قطاع غزة ودفعهم إلى مغادرة مدنهم وقراهم وبلداتهم، في امتداد لنكبة عام 1948. وهذا ليس مجرد تحليل، بل حقيقة يمكن استنتاجها بوضوح من أفعال إسرائيل على الأرض، ومن التصريحات العلنية لمسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى بشأن مواصلة الإبادة.
بعد ثلاث سنوات، لا يزال الفلسطينيون في قطاع غزة محاصرين في مساحة لا تتجاوز 30% من مساحة القطاع، ومحرومين من أبسط مقومات البقاء، بما في ذلك الحصول الكافي على الماء والغذاء والرعاية الصحية والمأوى. ولا يزال الاحتلال يفرض حصارًا على قطاع غزة، ويشدد القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية والسلع الأساسية والمعدات والأجهزة اللازمة لبقاء السكان على قيد الحياة وإعادة إعمار القطاع.
رغم إعلان وقف إطلاق النار قبل نحو عام، لا يزال الفلسطينيون يُقتلون يوميًا. ويعيش معظمهم في خيام وسط ظروف جوية قاسية، محاطين بركام المنازل والمباني المدمرة، من دون أفق لمستقبل آمن ومستقر. وقد دُمّرت منظومتا التعليم والصحة، ولا تزال آلاف الجثامين تحت الأنقاض، فيما تعرض آلاف الفلسطينيين للاختفاء القسري في سجون الاحتلال، وحُرم ذووهم من معرفة أي معلومات عن مصيرهم أو أماكن احتجازهم. وتتمثل الحصيلة المتراكمة لذلك في تدمير منهجي لحياة الفلسطينيين ومجتمعهم وهويتهم الثقافية في قطاع غزة.
ومع ذلك، لا يزال المجتمع الدولي عاجزًا عن اتخاذ خطوات أو إجراءات عملية لضمان احترام القانون الدولي وحماية المدنيين الفلسطينيين من أفعال الإبادة التي ترتكبها قوات الاحتلال. ورغم توافر الأدلة الكافية، ووجود إجماع واسع في أوساط المجتمع الحقوقي على توصيف الوضع بأنه جريمة إبادة جماعية، واصل المجتمع الدولي تجاهل صرخات أكثر من مليوني فلسطيني المطالبين بالحماية، وغضّ الطرف عن مخطط الاحتلال لتدمير ماضي الفلسطينيين وحاضرهم ومستقبلهم في قطاع غزة.
ولا يشكل غياب الاعتراف، والعجز عن اتخاذ إجراءات فعالة لحماية الفلسطينيين، فشلًا أخلاقيًا وقانونيًا فحسب، بل يرقى أيضًا إلى حد تواطؤ المجتمع الدولي في تفاقم معاناة الفلسطينيين.
يكرر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان رفضه لما يسمى بـمجلس السلام، ولأي ترتيبات خارجية تُفرض بشأن إدارة قطاع غزة وإعادة إعماره ومستقبله السياسي، بما يُبقي القطاع تحت السيطرة الأجنبية. وينتهك الإطار الذي أقره مجلس الأمن في قراره 2803 المبادئ الأساسية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، إذ يضع قطاع غزة تحت شكل إضافي من أشكال السيطرة الاستعمارية، ويحرم الفلسطينيين من حقهم في تقرير مستقبلهم السياسي ومن حقهم غير القابل للتصرف في تقرير المصير.
وعد العالم قبل سنوات بـ«لن يتكرر ذلك». واليوم، فيما تدخل الإبادة الجماعية التي تُبث مباشرة على الهواء عامها الرابع، يطالب المركز المجتمع الدولي باتخاذ خطوات فعلية لحماية أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في أكبر معسكر اعتقال جماعي في العالم.
والسبيل الوحيد إلى تحقيق ذلك هو محاسبة النظام الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي على الجرائم البشعة التي ارتكبها. فقد أثبتت السنوات الماضية أن بيانات الإدانة والتصريحات وحدها غير كافية؛ إذ يجب أن ينتهي الصمت والتقاعس، وإلا فإن العواقب ستكون أشد وطأة على الفلسطينيين وعلى المجتمع الدولي.
يكرر المركز مطالبته المجتمع الدولي بالاعتراف بأن ما يجري في قطاع غزة يشكل جريمة إبادة جماعية، واتخاذ إجراءات فعالة وفورية بما يتوافق مع التزاماته بموجب القانون الدولي والتدابير المؤقتة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية بشأن الوضع في قطاع غزة. كما يكرر المركز دعوته الدول إلى فرض عقوبات سياسية ودبلوماسية واقتصادية، دعمًا لجهود المساءلة الرامية إلى محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية على أفعالهم، بما في ذلك من خلال دعم المحكمة الجنائية الدولية في ظل الهجمات غير المسبوقة التي تواجهها بسبب تحقيقاتها في الوضع في فلسطين.
يؤكد المركز أن وضع حد للإبادة الجماعية يجب أن يترافق مع اتخاذ إجراءات ملموسة لمعالجة أسبابها الجذرية، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير المصير، الإفلات المستمر من العقاب. وما لم تُعالج هذه الأسباب الجذرية، ستظل دوائر العنف قائمة وقابلة للتجدد. ويجب أن يترافق وقف الإبادة الجماعية مع خطوات عملية وملموسة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه غير القابلة للتصرف، بما في ذلك حقه في تقرير المصير والعودة.