قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي أربعة مواطنين، منهم شقيقان، وأصابت 4 آخرين، خلال حماية مجموعة من مليشيات المستوطنين نفذت هجومًا على قرية تل جنوب نابلس، شمال الضفة الغربية. تطورت الأمور لأعمال انتقامية وأعمال عقاب جماعي بعدما دافع مواطنون عن أنفسهم في حادثة تسببت بمقتل اثنين منهم.
تمثل هذه الواقعة نموذجا للجرائم المشتركة التي تستهدف المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم، عبر توفير الحماية العسكرية للمستوطنين أثناء تنفيذ هجماتهم، واستخدام القوة المميتة ضد الفلسطينيين الذين يحاولون الدفاع عن أنفسهم أو ممتلكاتهم. يعكس هذا النمط اندماجا فعليا بين جيش الاحتلال والمستوطنين في تنفيذ اعتداءات منظمة تهدف إلى فرض وقائع استيطانية جديدة وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم.
ووفقا للمعلومات التي جمعها طاقم المركز، عند حوالي الساعة 07:15 من يوم الجمعة 24/7/2026، اقتحمت مجموعة من المستوطنين يقدر عددهم بنحو 20 مستوطناً، انطلقوا من مستوطنة حفات جلعاد المقامة في الجهة الجنوبية من قرية تل جنوب محافظة نابلس، منطقة قبالة جنوب قرية تل ووصلوا إلى وسط المنطقة وشرعوا في اعتداءات وهاجموا منازل المواطنين ومسجد القرية، كما شرعوا في اعتداءات مباشرة على سكان تلك المنازل وفي أراضيهم الزراعية. إثر ذلك تجمع عدد من المواطنين وتصدوا للمستوطنين بالحجارة وتطورت الأمور إلى مناوشات بالأيدي. وعند حوالي الساعة 08:20 وصل حارس مستوطنة حفات جلعاد ويدعى “يعقوب” يرافقه عدد من جنود الاحتلال لتأمين الحماية للمستوطنين، وأطلقوا النار تجاه المواطنين الفلسطينيين. خلال ذلك هاجم حارس المستوطنة اثنين من المواطنين بسلاحه وشرع في الاعتداء عليهم. وأظهر مقطع فيديو الحارس وهو يشهر سلاحه ويشرع بالاعتداء على المواطنين، وخلال ذلك تمكن أحد المواطنين من انتزاع السلاح وأطلق النار نحو الحارس والمستوطنين وقوات الاحتلال الذين بدورهم أطلقوا النار مباشرة تجاه الشخص والمواطنين المتجمعين في المكان. كما وصلت تعزيزات من قوات الاحتلال للمنطقة وساندت المستوطنين وأطلقت النار بشكل مباشر تجاه المواطنين المتجمعين. أسفر ذلك عن مقتل أربعة مواطنين، منهم شقيقان، وإصابة أربعة آخرين، وصفت جراح ثلاثة منهم بالحرجة.
والقتلى هم: إبراهيم حسين علي رمضان، 31 عاماً، وأصيب في رأسه، وشقيقه جواد حسين علي رمضان، 26 عاماً، وأصيب في صدره، وفاروق عدنان علي رمضان، 41 عاماً، وأصيب في صدره وبطنه فخذه، وعمران أحمد علي رمضان، 33 عاماً، وأصيب في رأسه.
وفي أعقاب ذلك، دفعت قوات الاحتلال بتعزيزات إضافية إلى المنطقة وأجلت الاصابات من المستوطنين عبر مروحيات عمودية، ولاحقاً أعلنت تلك القوات عبر وسائل اعلامها مقتل اثنين منهم وإصابة ثلاثة آخرين. كما فرضت قوات الاحتلال طوقاً عسكرياً على قرية تل وأغلقت جميع مداخل مدينة نابلس وأعلنتها منطقة عسكرية مغلقة.
وأعلن جيش الاحتلال أن اقتحام المستوطنين لقرية تل، لم يكن منسقا مع الجيش الإسرائيلي، وهو ما يشير إلى أن غالبية الاعتداءات تتم بتنسيق مشترك بين الجانبين. كما أنه رغم الإقرار بعدم وجود هذا التنسيق، إلا أن قوات الاحتلال اقتحمت المنطقة وشكلت حماية للمستوطنين وارتكبت القتل، ترافق ذلك مع تحريضات واسعة من المستوى السياسي والعسكري توجهت بإعلان البدء عن تنفيذ عملية عسكرية واسعة في الضفة.
ونفذ مستوطنون هجومين كبيرين على قريتي جيت وفرعتا، شرقي مدينة قلقيلية، جنوب غربي محافظة نابلس، والمتاخمتين لقرية تل وأشعلوا النار في منزل والمركبات المتوقفة أمامه، وكذلك في محيط مدينة رام الله. أسفرت هذه الاعتداءات عن إصابة خمسة مواطنين، منهم اثنان حالتهما خطيرة.
وحتى إعداد هذا البيان تواصل قوات الاحتلال والمستوطنين تنفيذ اعتداءات واسعة النطاق وعقاب جماعي ضد المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في تلك المناطق.
وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي في بيان إن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أمرا الجيش باتخاذ خطوات (عقابية) بعد حادث بلدة تل، بدأ بهدم منزل المواطن الذي نزع السلاح وقتل في الحادث، وهو ما ينذر بشن المزيد من الاعتداءات على المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم. ووفق البيان فإن نتنياهو وكاتس وجها الجيش بتنفيذ “عملية واسعة” في القرى بالضفة، معلنين بذلك “البدء بمسار لتشريع بؤر استيطانية وإقامة بؤر جديدة بالضفة الغربية.
من جهته، طالب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بإصدار أوامر للجيش بأن “مقابل كل يهودي يُقتل، على العدو أن يتحمل خسارة الأراضي والمنازل”، في حين هو يشارك في اقتحامات متكررة للمسجد الأقصى في القدس ويمارس التحريض على تنفيذ اعتداءات المستوطنين ويعمل على حمايتهم.
تأتي هذه التطورات استمراراً لسلسة طويلة من الاعتداءات والجرائم المتواصلة من قوات الاحتلال وميليشيات المستوطنين في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة.
ومنذ بداية العام، قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنون 79 فلسطينياً في الضفة الغربية، بينهم 19 طفلاً وامرأتان، مع العلم أن 16 من الضحايا قتلوا برصاص المستوطنين.
يذكر أن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان رصد خلال الأشهر الأخيرة تصاعدا كبيرا في اعتداءات المستوطنين، سواء من حيث عددها أو مستوى العنف المستخدم فيها، وسط حماية مباشرة ومشاركة فعلية من قوات الاحتلال. وقد أسفر هذا التصعيد عن عشرات القتلى والجرحى، وإحراق منازل ومركبات وأراض زراعية، والاستيلاء على ممتلكات الفلسطينيين، في إطار سياسة ممنهجة ترمي إلى توسيع الاستيطان وتعميق السيطرة على الأرض وفرض التهجير القسري على التجمعات الفلسطينية، بما يشكل امتدادا لسياسات الضم والاستعمار الاستيطاني المخالفة للقانون الدولي.
وإذ يدين المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان هذه الجرائم، والأعمال الانتقامية التي رافقتها، فإنه يذكر بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، الذي أكد عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وألزم إسرائيل بإنهاء وجودها غير القانوني، بما في ذلك تفكيك المستوطنات وإخلاء المستوطنين.
ويؤكد المركز أن استمرار إفلات المستوطنين وقوات الاحتلال من المساءلة شجع على تصاعد هذه الجرائم واتساع نطاقها، الأمر الذي يفرض على المجتمع الدولي اتخاذ إجراءات فورية وفعالة لوقف جرائم الاحتلال والمستوطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وإنهاء نظام الفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني الذي تفرضه إسرائيل على الشعب الفلسطيني.
ويطالب المركز بالتحرك العاجل لوقف أعمال العقاب الجماعي والأعمال الانتقامية التي تنفذها قوات الاحتلال والمستوطنين والتدخل الفوري لحمايةالمدنيين الفلسطينيين. كما يدعو إلى تحرك دولي جاد لضمان مساءلة مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة الدولية، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، وتوفير الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين، ووقف جميع أشكال الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي يمكن إسرائيل من مواصلة سياساتها غير القانونية وانتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي.