مايو 20, 2026
تدمير الاحتلال ما تبقى من منازل في غزة أداة لتكريس الإبادة الجماعية
مشاركة
تدمير الاحتلال ما تبقى من منازل في غزة أداة لتكريس الإبادة الجماعية

يدين المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بأشد العبارات تصاعد استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي ما تبقى من منازل سكنية في قطاع غزة، بما يشكل حلقة جديدة في سياسة التدمير المنهجي للأعيان المدنية وحرمان السكان من الحد الأدنى من مقومات البقاء، ضمن جريمة الإبادة الجماعية المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023.

 على مدى 31 شهراً من هجومها العسكري المتواصل على قطاع غزة، دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 80% من منازل القطاع، ما أجبر مئات آلاف المواطنين على النزوح إلى مراكز إيواء أو الإقامة في خيام مهترئة، أو بجوار ركام منازلهم، أو داخل منازل متضررة وآيلة للسقوط، في ظل غياب أي بدائل سكنية آمنة.

وتعكس عودة قوات الاحتلال المكثفة لاستهداف المنازل المتضررة جزئيا أو التي اضطر السكان إلى ترميم أجزاء منها بوسائل بدائية، تعمدا واضحا لاستكمال تدمير البيئة السكنية في قطاع غزة، وفرض واقع معيشي كارثي يدفع السكان نحو مزيد من التشريد والمعاناة. كما تعكس هذه الهجمات نهجا قائما على الترويع الجماعي، وتوسيع دائرة الحرمان، وتعميق ظروف الحياة القاسية التي يعيشها المدنيون في القطاع.

ورصد باحثو المركز عودة الاحتلال في الأيام الماضية إلى سياسة قصف المنازل أو أماكن النزوح، بعد الاتصال بعدد من سكان الأماكن المستهدفة. ويشدد المركز على أن الاتصالات الهاتفية أو أوامر الإخلاء التي تصدرها قوات الاحتلال قبل تنفيذ الهجمات لا تعفيها من المسؤولية القانونية، ولا تضفي أي مشروعية على استهداف الأعيان المدنية. بل تؤكد هذه الإجراءات أن قوات الاحتلال تمتلك علما مسبقا بوجود المدنيين، وبطبيعة المناطق المستهدفة، وبالآثار المتوقعة لهجماتها، ما يجعل استخدامها كأداة تمهيد لعمليات التدمير والترويع الجماعي انتهاكا جسيما لقواعد القانون الدولي الإنساني.

وضمن أبرز ما وثقه باحثونا حول هذه السياسة ما يلي

هاجمت طائرات الاحتلال الحربية، عند حوالي الساعة 04:05 من يوم الأربعاء الموافق 20/5/2026، بصاروخ، منزلا لعائلة رزق، مكونا من ثلاثة طوابق، في محيط ملعب فلسطين بشارع طارق بن زياد بمدينة غزة، ما أدى إلى إلحاق أضرار بالغة بالمنزل، وإصابة خمسة من سكانه بجراح متفاوتة، بينهم أطفال.

وعند حوالي الساعة 21:45 من يوم الثلاثاء الموافق 19/5/2026، تلقى أحد المواطنين اتصالا هاتفيا من قوات الاحتلال الإسرائيلي حيث تم إبلاغه بضرورة إخلاء حي سكني كامل في بلوك 7 بمخيم البريج وسط قطاع غزة، دون الإفصاح عن طبيعة العملية العسكرية. وأدى ذلك إلى حالة من الفوضى والهلع في صفوف السكان والنازحين، لا سيما أن المنطقة تضم كثافة مرتفعة من النازحين، بمن فيهم آلاف المقيمين داخل مدارس الإيواء القريبة.

وعند حوالي الساعة 22:25 مساء اليوم ذاته، استهدفت طائرات الاحتلال منزل المواطن عوني أبو شمالة، المكون من أربعة طوابق، والذي كان يؤوي عددا من الأسر النازحة، ما أدى إلى تدميره بالكامل، وإلحاق أضرار جسيمة بالمنازل المجاورة، وتشريد عشرات الأسر التي فقدت مأواها واضطرت للمبيت في العراء، دون الإبلاغ عن إصابات.

وعند حوالي الساعة 01:30 من فجر اليوم نفسه، قصفت طائرات الاحتلال الحربية قطعة أرض في محيط شارع الطينة شمال غرب مواصي خان يونس، ما أدى إلى أضرار واسعة في الأرض وخيام النازحين المحيطة. وجاء الهجوم بعد اتصال هاتفي من قوات الاحتلال أجبر السكان على إخلاء المنطقة والابتعاد مسافة تزيد على 200 متر.

وعند حوالي الساعة 9:00 مساء يوم الاثنين الموافق 18/5/2026، تلقى عدد من المواطنين عبر هواتفهم الخلوية، اتصالات هاتفية من قوات الاحتلال الإسرائيلي أبلغوا خلالها بضرورة إخلاء حي سكني كامل في منطقة الفالوجا بمخيم جباليا شمال قطاع غزة، دون الإفصاح عن طبيعة الهدف المزمع استهدافه. وعلى إثر ذلك، شرع السكان والنازحون بإخلاء المنطقة وسط حالة من الخوف والهلع الشديدين، لا سيما في ظل الدمار الواسع الذي سبق أن لحق بالمنطقة نتيجة الهجمات العسكرية الإسرائيلية المتكررة. وتعد المنطقة المستهدفة من المواقع التي اضطرت فيها عشرات الأسر إلى الإقامة بجوار منازلها المدمرة أو داخل خيام ومراكز إيواء أقيمت وسط الركام، نتيجة انعدام البدائل السكنية. وعند حوالي الساعة 9:55 مساء اليوم ذاته، شنت طائرات الاحتلال غارة استهدفت بصاروخين منزلا للمواطن صالح الدقس، في المنطقة وهو مبنى مكون من ثلاثة طوابق، ما أدى إلى تدميره بالكامل، وإلحاق أضرار جسيمة بالمنازل المجاورة وخيام النازحين القريبة. تشير المعلومات التي جمعها باحث المركز إلى أن المنزل المستهدف كان متضررا بشكل بالغ جراء هجمات وتوغلات سابقة، واضطر سكانه إلى ترميم أجزاء منه واستبدال بعض الجدران المهدمة بأغطية وشوادر مؤقتة باعتباره أفضل من البقاء داخل الخيام. واضطرت عائلة الدقس وعائلات أخرى إلى المبيت في العراء بعد تدمير المنزل وعدم توفر أي بدائل للإيواء.

وعند حوالي الساعة 20:30 من يوم الجمعة الموافق 8/5/2026، تلقى عدد من المواطنين اتصالات هاتفية تطالبهم بإخلاء منازلهم وخيامهم في محيط منزل عائلة الأضم بشارع المجادلة في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة. واضطرت العائلات إلى النزوح تحت وطأة الخوف الشديد، دون التمكن من أخذ مقتنياتها الأساسية.

وعند حوالي الساعة 23:10 من اليوم ذاته، استهدفت طائرات الاحتلال المنزل بصاروخين، وهو منزل مكون من ثلاثة طوابق يقع وسط منطقة مكتظة، ما أدى إلى دمار واسع واندلاع حريق امتد إلى الأماكن المجاورة، وأسفر عن إصابة تسعة مواطنين بجراح متفاوتة، وصفت إحداها بالخطيرة.

يؤكد المركز أن الحالات السابقة لا تمثل حصرا كاملا لجميع الأفعال والانتهاكات التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي، بل تعرض نماذج موثقة أمكن التحقق منها وتوثيقها ميدانيا، في ظل صعوبات متزايدة تعيق الوصول إلى كثير من المواقع المتضررة ورصد حجم الدمار والانتهاكات بصورة شاملة.

علاوة على ما سبق، فإن ما نفذته وتنفذه قوات الاحتلال داخل ما يعرف بالمنطقة الصفراء التي تقتطع نحو 60 % من مساحة قطاع غزة، يتجاوز حدود التدمير التقليدي، ويعكس نمطا منظما يستهدف جعل تلك المناطق غير قابلة للحياة مستقبلا، حيث لا يقتصر الاستهداف على تدمير المنازل والمباني السكنية، بل يمتد إلى ما تبقى من مقومات البقاء الأساسية، بما يشمل الأراضي الزراعية وشبكات المياه والآبار وخطوط الصرف الصحي والبنية التحتية الكهربائية.

يتواصل هذا التدمير في ظل منع إدخال مواد إعادة الإعمار الأساسية، بما في ذلك الإسمنت، بما يعيق أي جهود للتعافي أو إصلاح ما دمرته الهجمات. وحتى هذه اللحظة، لا تزال المستشفيات والعيادات والمدارس والجامعات في قطاع غزة تعاني مستويات واسعة من التدمير والاستهداف، الأمر الذي فاقم انهيار الخدمات الأساسية وحرم السكان من حقوقهم الأساسية.

ومنذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر وحتى اليوم، تواصل إسرائيل فرض وقائع ميدانية وسياسات تدفع نحو تحويل قطاع غزة إلى بيئة طاردة للسكان، وظروف معيشية غير قابلة للاستمرار، عبر التدمير الواسع والقيود المشددة والسيطرة العسكرية على مساحات واسعة من القطاع، إلى جانب استمرار القصف والقتل اليومي.

يشدد المركز على أن هذا النمط من الهجمات، الذي يستهدف ما تبقى من البيئة السكنية في قطاع غزة، يندرج في سياق أفعال الإبادة الجماعية المستمرة التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق السكان الفلسطينيين في القطاع، عبر التدمير المنهجي لمقومات البقاء والحياة، وفرض ظروف معيشية يراد بها جعل استمرار الحياة مستحيلا أو شديد القسوة، من خلال الحرمان من المأوى الآمن، وتوسيع نطاق التشريد القسري، ودفع المدنيين إلى العيش في بيئات غير صالحة للحياة، بما يندرج ضمن إخضاع جماعة سكانية عمدا لظروف معيشية يقصد بها تدميرها الفعلي كليا أو جزئيا. ويشكل هذا السلوك جزءا من جريمة الإبادة الجماعية المستمرة، إلى جانب ما يتضمنه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية جسيمة ترتكب بصورة واسعة ومنهجية بحق السكان المدنيين في قطاع غزة.

يطالب المركز المجتمع الدولي بالتحرك الفوري لوقف جرائم التدمير المنهجية التي تستهدف المدنيين ومنازلهم، وإلزام إسرائيل بوقف الهجمات غير القانونية ضد الأعيان المدنية، وضمان توفير الحماية الدولية للمدنيين في قطاع غزة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.