يدين المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بشدة إقدام قوات الاحتلال الإسرائيلي، على هدم وتدمير 38 منشأة سكنية وزراعية وخدمية، يوم الأربعاء 2/9/2026، في قرية التبان بمسافر يطا جنوب محافظة الخليل، جنوب الضفة الغربية، في عملية تسببت بتشريد ثماني أسر فلسطينية تضم 58 شخصا، منهم 26 طفلا و30 امرأة، وتحرمهم من مساكنهم ومصادر رزقهم ومقومات حياتهم الأساسية.
تأتي هذه الجريمة في سياق سياسة إسرائيلية ممنهجة تستهدف الوجود الفلسطيني في مسافر يطا، من خلال هدم المنازل والمنشآت، وتدمير مصادر المياه وسبل العيش، وفرض قيود مشددة على البناء والتوسع، بالتوازي مع تصاعد اعتداءات المستوطنين والاستيلاء على الأراضي الزراعية وإقامة البؤر الاستيطانية في عموم الضفة الغربية. تتكامل هذه الإجراءات في هدفها ونتائجها مع سياسة فرض الأمر الواقع على الأرض وتكريس السيطرة الإسرائيلية الدائمة على أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة، بما يشكل خطوات عملية باتجاه ضمها.
ووفق المعلومات الميدانية التي جمعها باحث المركز، هدمت قوات الاحتلال في ساعات صباح يوم الأربعاء، 12 غرفة سكنية وخيمة سكنية واحدة، و7 بركسات وحظائر للمواشي وخيمة للمواشي، و5 آبار للمياه، و7 حمامات، ومطبخين، وطابوني خبز، ومخزنا للأعلاف، إضافة إلى منشآت مائية أخرى، بقدرة تخزينية إجمالية تبلغ نحو 500 متر مكعب من المياه. وتبلغ المساحة الإجمالية للوحدات السكنية المستهدفة نحو 547 مترا مربعا، وكانت تؤوي الأسر الفلسطينية الثماني المستهدفة. كما طالت عمليات الهدم منشآت تستخدم في تربية المواشي، من بينها 7 بركسات وحظائر وخيمة للمواشي ومخزن للأعلاف. وتمثل تربية المواشي مصدرا أساسيا لدخل الأسر المستهدفة.
ويشير توثيق باحث المركز إلى أن المنشآت المستهدفة أقيمت خلال الفترة الممتدة بين عامي 2002 و2015، حيث تعود أقدم منشأة إلى عام 2002، بينما شيدت أحدثها عام 2015. وتؤكد هذه المعطيات أن المنشآت كانت قائمة منذ سنوات طويلة وتشكل جزءا من البيئة السكنية والمعيشية للسكان، الأمر الذي ينفي الطابع المؤقت أو الطارئ لوجود هذه الأسر في المنطقة.
وتأتي عملية الهدم بعد سنوات من الإجراءات الإسرائيلية التي استهدفت سكان قرية التبان ومختلف التجمعات الفلسطينية في مسافر يطا. فقد أصدرت سلطات الاحتلال في 7 يونيو/حزيران 2022 إخطارات بعنوان “منح فرصة إضافية للاعتراض على أوامر هدم”، شملت مساكن المواطنين ومنشآتهم في القرية. وكانت أوامر الهدم الأصلية قد صدرت في أعوام 2003 و2015 و2017 و2020، ومنحت سلطات الاحتلال المواطنين مهلة ثلاثة أيام فقط لتقديم اعتراضاتهم، وشملت مختلف المنشآت السكنية والزراعية في القرية.
ووفق إفادة نضال يونس أبو عرام، رئيس مجلس قروي مسافر يطا، لباحث المركز، تقدم السكان بملفات للحصول على تراخيص بعد تلقيهم إخطارات بوقف العمل في مساكنهم ومنشآتهم، إلا أن سلطات الاحتلال رفضت طلباتهم وأصدرت لاحقا أوامر هدم بحق منشآتهم. ولجأ السكان إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بإلغاء أوامر الهدم، فصدرت أوامر احترازية مؤقتة بوقف تنفيذها إلى حين إعداد مخطط تنظيمي تفصيلي.
وأضاف أنه “استجابة لذلك، أعد السكان المخطط التنظيمي المطلوب وتقدموا به إلى دائرة التنظيم والبناء الإسرائيلية، إلا أن سلطات الاحتلال رفضت المخطط، قبل أن تصدر الإخطارات الأخيرة المتعلقة بأوامر الهدم. كما لجأت الجهة القانونية التي تمثل السكان مجددا إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بحماية مساكنهم وممتلكاتهم، بعد استنفاد الإجراءات القانونية المتاحة، إلا أن المحكمة رفضت الالتماس المقدم خلال يونيو/حزيران 2026، لتفتح الطريق أمام تنفيذ عمليات الهدم التي طالت القرية اليوم”.
يذكر أن سلطات الاحتلال تواصل سياسة تهجير سكان مسافر يطا، في ظل قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الصادر في مايو/أيار 2022، الذي أتاح للقوات المحتلة إخلاء سكان عدد من قرى مسافر يطا من أراضيهم ومساكنهم بذريعة استخدام المنطقة منطقة تدريب عسكري. ومنذ ذلك القرار، صعّدت سلطات الاحتلال إجراءاتها ضد السكان، فيما واصل المستوطنون إقامة البؤر الاستيطانية والسيطرة على الأراضي الزراعية ومهاجمة السكان وممتلكاتهم.
يؤكد المركز أن هذه الإجراءات تكشف عن منظومة متكاملة تستخدم فيها سلطات الاحتلال التخطيط والتنظيم وأوامر الهدم والإجراءات القضائية كأدوات للسيطرة على الأرض وإعادة تشكيل واقعها الديموغرافي. فحرمان الفلسطينيين من تراخيص البناء، ورفض مخططاتهم التنظيمية، ثم إصدار أوامر الهدم وتنفيذها، يحول نظام التخطيط الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة إلى أداة لإقصاء السكان الفلسطينيين وتهجيرهم قسرًا عنها.
ويشدد المركز على أن تدمير مساكن السكان ومصادر مياههم ومنشآتهم الزراعية والحيوانية، في ظل حرمانهم من التخطيط والبناء، يشكل ضغطا منظما على السكان لدفعهم إلى ترك مناطق سكناهم. ويخشى المركز من أن يؤدي استمرار هذه السياسة إلى إفراغ أجزاء من مسافر يطا من سكانها الفلسطينيين، وتهيئة الأرض أمام توسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية وربطها بشبكة السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية.
ويؤكد المركز أن استمرار هذه الممارسات لا يمكن فصلها عن سياسة أوسع تسعى من خلالها إسرائيل إلى فرض وقائع ميدانية وقانونية وإدارية تحول دون ممارسة الفلسطينيين لحقوقهم في الأرض والسكن والتنمية، وتكرس السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية المحتلة. ويشكل هذا المسار في جوهره عملية ضم تدريجي للضفة الغربية، تتعارض بصورة مباشرة مع قواعد القانون الدولي التي تحظر على دولة الاحتلال اتخاذ إجراءات تؤدي إلى تغيير دائم في وضع الأراضي المحتلة أو نقل سكانها قسرا.
وفي ضوء ذلك، يدعو المركز المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات فورية وفعالة لحماية التجمعات الفلسطينية في مسافر يطا، وضمان عدم تنفيذ عمليات تهجير جديدة، ووقف جرائم الاحتلال والمستوطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وإنهاء نظام الفصل العنصري والاستعمار الاستيطاني الذي تفرضه إسرائيل على الشعب الفلسطيني.
ويذكر المركز بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، الذي أكد عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وألزم إسرائيل بإنهاء وجودها غير القانوني، بما في ذلك تفكيك المستوطنات وإخلاء المستوطنين.
ويدعو المركز إلى تحرك دولي جاد لضمان مساءلة مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة الدولية، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، وتوفير الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين، ووقف جميع أشكال الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي يمكن إسرائيل من مواصلة سياساتها غير القانونية وانتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي.