أغسطس 23, 2026
انتقال مشروع E1  الاستيطاني إلى مرحلة التنفيذ الفعلي يتطلب إجراءات دولية عاجلة وملزمة لوقفه
مشاركة
انتقال مشروع E1  الاستيطاني إلى مرحلة التنفيذ الفعلي يتطلب إجراءات دولية عاجلة وملزمة لوقفه

يدين المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بأشد العبارات تصعيد سلطات الاحتلال الإسرائيلي إجراءاتها لتنفيذ المشروع الاستيطاني في منطقة E1 شرق القدس المحتلة، وآخرها نشر عطاء لبناء 1234 وحدة استيطانية، في خطوة تمثل تحولا نوعيا خطيرا في مسار المشروع وتنقله من مرحلة التخطيط والمصادقة إلى مرحلة التسويق الفعلي للأراضي والشروع العملي في التنفيذ، بما يهدد بفرض واقع استيطاني على الأرض.

ويأتي ذلك في ظل التوسع الاستيطاني المتسارع، وفرض وقائع ميدانية، ضمن مخطط يشكل فيه المستوطنون ذراعا متقدمة للاحتلال في عملية تطهير عرقي ممنهجة ومستمرة تهدف إلى استئصال الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، بما فيها القدس المحتلة.

ونشرت وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية في 18 أغسطس/آب 2026 عطاء لبناء 1234 وحدة في منطقة E1، من أصل 3401 وحدة سبق أن أقرت مخططاتها نهائيا 1. وحددت الوزارة 19 أكتوبر/تشرين الأول موعدا نهائيا لتقديم العروض، أي قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول بثمانية أيام، ما يثير مخاوف من توظيف المشروع الاستيطاني في المنافسة الانتخابية الإسرائيلية، عبر تقديمه كإنجاز سياسي واستيطاني، على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وواقعه على الأرض، وبما يعكس استمرار توظيف الاستيطان أداة لفرض وقائع ميدانية وتحقيق مكاسب سياسية داخلية. كما تواصل سلطات الاحتلال إجراءاتها لإنشاء منطقة تجارية وتشغيلية في المنطقة، بما يعزز ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس المحتلة ويكرس وقائع استيطانية جديدة على الأرض.

تمتد منطقة E1 على مساحة جغرافية استراتيجية واسعة بين بلدتي العيزرية وأبو ديس شرق القدس إلى مشارف أريحا والبحر الميت. تشير المعلومات التي حصل عليها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن ما بين 18 تجمعا يقطنها نحو 3500 فلسطيني مهددون بالاقتلاع قسرا من أراضيهم في نطاق المشروع في القدس الشرقية، ضمن ما يقارب 46 تجمعاً بدوياً باتت مهددة بالتهجير القسري عند استكمال تنفيذ المخطط، وأن سلطات الاحتلال قد نفّذت بالفعل عمليات تهجير طالت جزءاً منها منذ 7 أكتوبر 2023، في استمرار لسياسة ممنهجة تمتد جذورها إلى عمليات التهجير التي طالت البدو الفلسطينيين عامي 1948 و1967.

يؤكد المركز أن مشروع E1 يمثل أحد أخطر مشاريع الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، لما يترتب عليه من تقطيع أوصال الأرض الفلسطينية وفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وعزل القدس الشرقية عن محيطها الفلسطيني، بما يقوض حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ويقوض إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، وهو أمر عبر عنه صراحة وزير المالية الإسرائيلية بتسلئيل سموتريش ضمن أهداف المشروع.

ويشدد المركز على أن هذا الانتقال إلى مرحلة تسويق الأراضي، إلى جانب طرح عطاء منفصل لإقامة منطقة تشغيل وتجارية ضمن المشروع ذاته، يكشف عزم حكومة الاحتلال المضي في تنفيذ المخطط بمعزل عن الإدانات الدولية المتكررة له منذ عقود.

ويرى المركز أن المضي في تنفيذ المشروع، إلى جانب مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات وفرض القيود على التجمعات الفلسطينية في المنطقة، يشكل جزءا من سياسة إسرائيلية ممنهجة لفرض السيطرة الدائمة على الأرض المحتلة وتهيئة الظروف لنقل السكان الفلسطينيين قسرا، ولا سيما التجمعات البدوية الواقعة في محيط E1.

ويحذر المركز من أن استمرار المجتمع الدولي في الاكتفاء بالإدانة دون اتخاذ إجراءات عملية يشجع سلطات الاحتلال على المضي في تنفيذ المشروع وفرض وقائع يصعب التراجع عنها. ويطالب الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة بالوفاء بالتزاماتها بضمان احترام الاتفاقية، واتخاذ تدابير فعالة لوقف الاستيطان ومنع تهجير السكان الفلسطينيين.

ويؤكد المركز أن الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، يمثل انتهاكا مستمرا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وأن مشروع E1 لا يمكن فصله عن سياسة أوسع تهدف إلى ترسيخ الضم الفعلي للضفة الغربية وفرض نظام دائم من السيطرة على الأرض والسكان الفلسطينيين.

ويذكّر المركز بأن المستوطنات، بما فيها مشروع E1، تشكل انتهاكا صريحا للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على دولة الاحتلال نقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، وأن محكمة العدل الدولية أكدت في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو 2024 عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وألزم إسرائيل بإنهاء وجودها غير القانوني، بما في ذلك تفكيك المستوطنات وإخلاء المستوطنين، وأن على الدول الثالثة التزاما بعدم تقديم أي عون أو مساعدة يبقي هذا الوضع غير القانوني قائما.

جدير بالذكر أن ملف الاستيطان كان أول الملفات التي نوقشت وحسمت أمام المحكمة الجنائية الدولية باعتباره جريمة حرب قائمة بذاتها، وقد سبق للمركز، بالاشتراك مع مركز الميزان لحقوق الإنسان ومؤسسة الحق، أن تقدّم بمذكرة قانونية شاملة وثّقت هذه الجريمة وعناصرها أمام المحكمة. كما تقدّمت المؤسسات الثلاث بمذكرة قانونية موازية تناولت جريمة الفصل العنصري (الأبرتهايد) بوصفها جريمة ناشئة عن سياسة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وما يترتب عليها من نظام تمييزي مؤسسي وقمعي يستهدف السكان الفلسطينيين.

ويشدد المركز على أن جريمة الاستيطان جريمة مستمرة بطبيعتها القانونية، لا تسري عليها قواعد التقادم مهما طال الزمن أو قصر، بما يحتم ملاحقتها ومحاسبة المتورطين فيها في أي وقت. وتعد هذه الجريمة، من الناحية الإثباتية، الأكثر توثيقاً رسمياً بين جرائم الاحتلال، إذ تصدر تفاصيلها علناً عن الوزارات والوزراء والحكومة الإسرائيلية والجيش وقادة الأحزاب والمستوطنين أنفسهم، وتنشر رسمياً في الجريدة الرسمية الإسرائيلية The Gazette، وهو ما يجعلها جريمة لا تحتاج من الناحية القانونية إلى تقديم بيّنات إضافية لإثباتها، كون تفاصيلها معلنة ومنشورة رسمياً وعلانية، فضلاً عن أن أجهزة القضاء الإسرائيلية نفسها متورطة في إضفاء الصبغة القانونية عليها من خلال أحكامها وقراراتها. كما تشكّل المصادر المفتوحة أداة إثبات إضافية ذات وزن في توثيق هذه الجريمة.

ويدعو المركز المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وملموسة لإلزام إسرائيل بوقف مشروع E1 وجميع الاعتداءات الاستيطانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، ومساءلة المسؤولين عن تنفيذها، وضمان عدم استفادة الشركات والمؤسسات من مشاريع الاستيطان غير القانونية أو المشاركة في تنفيذها.

ويحث الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وخاصة الدول التي أصدرت مواقف رافضة للمشروع، بترجمة هذه المواقف إلى إجراءات ملزمة، تشمل حظر تعامل شركاتها وكياناتها الاقتصادية مع أي عطاء أو نشاط يتعلق بالاستيطان في الأرض الفلسطينية المحتلة، تفعيلا لالتزاماتها بموجب رأي محكمة العدل الدولية.

ويدعو المركز الحكومة السويسرية، بوصفها الدولة الوديعة لاتفاقية جنيف الرابعة، إلى الاضطلاع بدورها المحوري في التصدي لجريمة الاستيطان، وذلك بالدعوة إلى عقد مؤتمر للأطراف السامية المتعاقدة في الاتفاقية لبحث سبل مواجهة الاستيطان ووقفه، واتخاذ ما يلزم من إجراءات وعقوبات فعلية بحق دولة الاحتلال الإسرائيلي بما يكفل احترام الالتزامات الدولية الناشئة عن الاتفاقية.


  1. https://peacenow.org.il/en/e1-tender-published-and-open-for-bidding?utm_source=chatgpt.com ↩︎