مايو 24, 2026
تدمير الاحتلال المربعات السكنية في وسط قطاع غزة يكرس الإبادة ويفرض واقعا قسريا يهدف إلى التهجير
مشاركة
تدمير الاحتلال المربعات السكنية في وسط قطاع غزة يكرس الإبادة ويفرض واقعا قسريا يهدف إلى التهجير

يحذر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من تصعيد قوات الاحلال الإسرائيلي المتسارع في استهداف ما تبقى من مربعات سكنية، لا سيما في مناطق وسط قطاع غزة، والتي ظلت خلال مراحل سابقة من العدوان أقل تعرضا للتدمير الواسع، في سياق سياسة متصاعدة تستهدف استكمال تدمير ما تبقى من البنية السكنية والمدنية في القطاع، وخلق ظروف حياتية يستحيل معها استمرار الوجود الإنساني الطبيعي حاليا ومستقبلا.

يأتي تكثيف استهداف قوات الاحتلال الأحياء السكنية وتدمير المنازل والبنى الخدماتية على نطاق واسع، إلى جانب تقويض الخدمات الإنسانية الأساسية، واستهداف العاملين في المجال الإنساني، وضرب منظومات الحماية المدنية والأمنية المتمثل في قتل أفراد الشرطة والأمن، في إطار نمط متكامل يهدف إلى تحويل قطاع غزة إلى بيئة طاردة للحياة، وخلق أرضية مادية وإنسانية تدفع السكان قسرا إلى مغادرته تحت أي مسمى أو ظرف، بما يشكل أحد أخطر أوجه جريمة التهجير القسري المرتبطة بجريمة الإبادة الجماعية المستمرة بحق السكان الفلسطينيين في قطاع غزة.

“لا تقتصر السياسات الإسرائيلية الجارية على التدمير الواسع للمنازل والأحياء، بل تتجه بصورة ممنهجة إلى تفكيك البنية المدنية للحياة، من خلال تعطيل عمل المستشفيات والمدارس والجامعات، وفرض قيود صارمة على إدخال المواد الأولية ومستلزمات إعادة الإعمار، بما يمنع استعادة الحد الأدنى من شروط العيش الطبيعي. بالتوازي، يتعرض العمل الإنساني لتقويض مستمر، عبر استهداف متكرر للعاملين في المجال الإغاثي، في سياق يعمق الأزمة الإنسانية ويحرم السكان من وسائل البقاء الأساسية. تشكل هذه الممارسات، في مجموعها، بنية متكاملة لجريمة الإبادة الجماعية المستمرة، في ظل مضي إسرائيل في سياسات التطهير العرقي، مدعومة بتصريحات سياسية معلنة وصريحة صادرة عن أعلى المستويات الرسمية،” المحامي راجي الصوراني، المدير العام للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.

وفي أحدث الجرائم التي تعكس هذا النمط، تلقى أحد المواطنين في حوالي الساعة 22:05 من يوم الجمعة الموافق 22/5/2026 اتصالا هاتفيا من قوات الاحتلال الإسرائيلي تضمن مطالبات بإخلاء مربع سكني كامل يقع عند التقاطع الواصل بين شارع العشرين الشرقي وبلوك “A” في مخيم النصيرات بالمحافظة الوسطى، تمهيدا لاستهداف المنطقة.

وبعد نحو 25 دقيقة من التهديد، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارة استهدفت منزلا مكونا من أربعة طوابق يعود لعائلة أبو سيف، ما أدى إلى تدمير الطابقين العلويين بالكامل واختفاء آثارهما، وإلحاق أضرار واسعة بالمنازل والمحال التجارية المحيطة، بما في ذلك المباني الواقعة أسفل المنزل المستهدف وفي محيطه.

كما أسفر القصف عن إصابة خمسة مواطنين بجراح متفاوتة، نقلوا إلى مستشفى العودة في مخيم النصيرات لتلقي العلاج، فيما شهدت المنطقة حركة نزوح واسعة لعشرات العائلات وسط حالة من الخوف والهلع، وبات عدد كبير منها بلا مأوى نتيجة الأضرار التي لحقت بالمنازل والمنطقة المستهدفة.

وأفاد المواطن علاء عثمان إسماعيل العمصي، 52 عاما، لباحثي المركز بما يلي:

“كنت أقيم سابقا في شقة داخل منزل عائلتي الممتدة المكون من خمسة طوابق، قبل أن يتعرض المنزل للقصف نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما أدى إلى تدمير الجزء الشرقي منه بما يشمل شقتي السكنية. حاليا كنت أقيم داخل محل تجاري أسفل الجزء المتبقي من المنزل، فيما يقطن أشقائي وعائلاتهم وعدد من النازحين في الطوابق المتبقية، حيث إن المنزل يضم حاليا نحو 60 شخصا بينهم 29 سيدة و15 طفلا.  سمعت عند حوالي الساعة 22:05 أصوات صراخ وتحذيرات بالإخلاء، قبل تبلغني بأن أحد الجيران تلقى اتصالا من قوات الاحتلال يطالب بإخلاء منازل عدة عائلات وإخلاء المربع السكني بالكامل، ما دفعنا إلى مغادرة المكان دون التمكن من أخذ أي من احتياجاتنا الأساسية. المنطقة تعرضت بعد نحو 30 دقيقة لغارة عنيفة جدا، وعند عودتنا تبين أن منزل عائلة أبو سيف تعرض للاستهداف، فيما لحقت أضرار جسيمة بمنزل عائلتي ومحيطه. كان مشهد نزوح النساء والأطفال مؤلما للغاية، في ظل حالة الخوف والهلع التي سيطرت على السكان خلال عملية الإخلاء والقصف”

كما أفاد المواطن صلاح أحمد محمود طعيمة، 37 عاما، لباحثي المركز بأنه تلقى اتصالا هاتفيا من قوات الاحتلال الإسرائيلي طالبه بإخلاء منزل عائلته وإبلاغ الجيران بضرورة مغادرة المنطقة، بما يشمل عائلات أبو سيف والعمصي والشريحي، إضافة إلى إخلاء المربع السكني كاملا. وأوضح أن المتصل طلب منهم الابتعاد إلى مناطق تبعد بين 300 و500 متر دون تحديد موقع الاستهداف، مشيرا إلى أن عشرات العائلات غادرت المنطقة وسط حالة واسعة من الخوف والارتباك. وأضاف أنه تلقى لاحقا اتصالات إضافية تضمنت أوامر بالابتعاد لمسافات أكبر، قبل أن يقع القصف الإسرائيلي بعد دقائق محدثا انفجارا هائلا، ثم عاد السكان ليتبين أن الاستهداف طال منزل عائلة أبو سيف وألحق دمارا واسعا بالمنازل المحيطة. وأشار كذلك إلى أن شائعات عن تهديد جديد بالقصف دفعت السكان إلى مغادرة المنطقة مجددا وقضاء ساعات في العراء، فيما تكشف حجم الدمار بشكل أكبر خلال ساعات الصباح، وباتت عائلات إضافية بلا مأوى.

يؤكد المركز أن هذا النمط من الهجمات لا يمكن فصله عن سياسة إسرائيلية أوسع تستهدف تدمير البيئة المدنية ومقومات البقاء الإنساني بصورة شاملة، عبر تدمير المنازل، وتقويض الخدمات الإنسانية، وتعطيل سبل الإغاثة، واستهداف المؤسسات المدنية والعاملين فيها، بما يفضي إلى فرض واقع معيشي كارثي يجعل البقاء في قطاع غزة متعذرا، ويخلق ضغوطا قسرية تدفع السكان نحو النزوح الدائم أو مغادرة القطاع.

ويترافق ذلك مع استمرار سياسة القتل اليومي المنهجي والاغتيالات والاستهدافات المتكررة بحق السكان المدنيين، ضمن نمط متواصل من الأفعال التي تفرض واقعا معيشيا كارثيا يستحيل معه العيش بكرامة أو استقرار في قطاع غزة، سواء في الحاضر أو المستقبل، بما يحول القطاع تدريجيا إلى بيئة طاردة للسكان ويدفع باتجاه خلق ظروف قسرية ترمي إلى تفريغه من سكانه تحت أي مسمى.

يؤكد المركز أن التهديد بالإخلاء لا يمنح أي شرعية قانونية للهجمات التي ترتكبها قوات الاحتلال والتي تستهدف المناطق المدنية أو تدمر الأحياء السكنية أو تلحق أضرارا واسعة بالمدنيين والأعيان المدنية، وأن الإنذارات العسكرية لا تلغي الحماية المكفولة للسكان المدنيين بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني.

ويؤكد المركز أن إغلاق أو تقليص عمل المؤسسات الإنسانية والإغاثية، بما فيها المطبخ العالمي، والاستهداف المتكرر للعاملين في العمل الإنساني، ترافق مع استهداف منهجي لعناصر الشرطة والأجهزة المدنية المكلفة بحفظ النظام العام وتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان، بما يفضي إلى نشر الفوضى وانهيار مقومات الاستقرار الداخلي.

وفي هذا السياق، قصف طائرات الاحتلال ظهر اليوم السبت، موقعاً للشرطة في منطقة التوام شمال غزة، ما أدى إلى مقتل 5 من أفراد الشرطة إضافة إلى الطفل صابر عبد الرحمن جربوع، محيط المكان، في امتداد لسياسة متواصلة تستهدف تفكيك الهياكل المدنية وحرمان السكان من أي أدوات للحماية والتنظيم المجتمعي.

ويحذر المركز من أن القيود المفروضة على حركة السكان والدخول إلى القطاع والخروج منه، في ظل المعطيات التي تشير إلى أن أعداد من تمكنوا من دخول قطاع غزة منذ بدء الحرب لا تتجاوز بضع مئات، مقابل مغادرة عشرات الآلاف للقطاع منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعكس اتجاها خطيرا يرتبط بإحداث تغيير ديمغرافي قسري، في سياق سياسات التهجير القسري والإفراغ السكاني المحظورة بموجب قواعد القانون الدولي.

يطالب المركز المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف الجرائم الإسرائيلية المتصاعدة في قطاع غزة، وفرض إجراءات دولية فاعلة تكفل حماية المدنيين، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة، واتخاذ خطوات عملية لمنع استكمال سياسات التدمير الشامل والتهجير القسري التي تهدد الوجود الفلسطيني في قطاع غزة.