صعّدت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الأيام الماضية جرائم القتل الجماعي والإعدام خارج نطاق القانون، في قطاع غزة، بالتزامن مع تصريحات رسمية من أعلى مستوى سياسي إسرائيلي عن توسيع نطاق المناطق التي تتمركز فيها قوات الاحتلال، وعودة للحديث العلني عن خطط تهجير الفلسطينيين.
وجاءت أوسع موجات القتل الجماعي عشية عيد الأضحى وفي أول أيامه، في تجسيد لسياسة متعمدة من الاحتلال تستهدف حرمان الفلسطينيين من أي شعور بالأمان أو الاستقرار، حتى خلال المناسبات الدينية التي يفترض أن تشكل مساحة للسكينة والتماسك الاجتماعي. وللعام الثالث على التوالي، يحل العيد على سكان قطاع غزة وسط القتل والتجويع والنزوح وفقدان الأحبة، في مشهد يعكس إصرارا إسرائيليا على تدمير الحياة المدنية ومظاهرها الإنسانية والاجتماعية كافة.
” تشير طبيعة الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي واتساع نطاقها وتكرارها في قطاع غزة إلى وجود سياسة ممنهجة تستخدم أفعال الإبادة الجماعية كأداة لفرض التطهير العرقي بحق الفلسطينيين، عبر استهداف الوجود السكاني نفسه وتدمير شروط بقائه المادي والإنساني داخل القطاع. والتصريحات الإسرائيلية الرسمية من أعلى مستوى سياسي وعسكري تمثل إقرارا صريحا بسياسة تهدف إلى فرض واقع معيشي يستحيل معه بقاء السكان الفلسطينيين في القطاع. وتكشف هذه السياسات عن مساع إسرائيلية ممنهجة لتفريغ غزة من سكانها عبر القتل والتجويع والتدمير الشامل، بما يشكل تمهيدا واضحا لجريمة التهجير القسري المحظورة دوليا.” المحامي راجي الصوراني، المدير العام للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان.
وضمن أبرز ما وثقه باحثو المركز ما يلي:
هاجمت طائرات الاحتلال الإسرائيلي حوالي الساعة 22:50 من يوم الخميس الموافق 28/5/2026 أرضًا وبركسًا للخضروات شمال غربي خان يونس، ما أدى إلى دمار واسع في المكان وعدد من الإصابات. وجاء القصف بعد الاتصال على أحد المواطنين وطلب إخلاء المنطقة.
عند حوالي الساعة ٢١:٢٥ من اليوم نفسه، تلقى أحد المواطنين اتصالًا هاتفيًا من قوات الاحتلال الإسرائيلي، وطلب منه إبلاغ سكان مربع سكني بإخلاء منازلهم تمهيدًا لاستهداف المنطقة. ويقع المربع المستهدف في منطقة أرض المنسي جنوب مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح بالمحافظة الوسطى. وعند حوالي الساعة ٢٢:٠٠ من مساء اليوم ذاته، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارة جوية وسط حي سكني في المنطقة المذكورة، ما أدى إلى تدمير منزلين بالكامل، وإلحاق أضرار جزئية متفاوتة، بعدد من المنازل المجاورة، إضافة إلى تضرر مسجد الأبرار وعدد من المركبات المدنية. كما أسفر القصف عن إصابة ثلاثة مواطنين بجراح طفيفة، نُقلوا لتلقي العلاج.
وعقب الهجوم، سادت حالة من الفوضى والهلع بين السكان، حيث اضطرت عشرات العائلات إلى الفرار من منازلها خشية تعرضها للاستهداف، في ظل غياب أي أماكن آمنة يمكن اللجوء إليها، ودون تمكن العديد منهم من اصطحاب احتياجاتهم الأساسية أو ممتلكاتهم الشخصية.
عند حوالي الساعة ٢٠:٣٠ من مساء اليوم نفسه، تلقى أحد المواطنين اتصالًا هاتفيًا من قوات الاحتلال وطلب منه إبلاغ سكان مربع سكني بإخلاء منازلهم تمهيدًا لاستهداف المنطقة. ويقع المربع المستهدف في محيط متنزه الشمالي بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة. وبعد عدة دقائق قصفت طائرات الاحتلال المنطقة ما أدى إلى تدمير منزلين بالكامل، وإلحاق أضرار جزئية بالغة وطفيفة بعدد آخر من المنازل المحيطة، علمًا أن المنطقة سبق أن تعرضت لدمار واسع في هجمات سابقة من قوات الاحتلال. وسادت حالة من الفوضى والهلع في المنطقة، إذ تضطر عشرات العائلات، في كل مرة تصدر فيها أوامر إخلاء، إلى الفرار من المناطق المهددة خوفًا على حياتها، في ظل انعدام أماكن آمنة يلجأ إليها السكان.
هاجمت طائرات الاحتلال الإسرائيلي عند حوالي الساعة 22:10 من يوم الأربعاء الموافق 27/5/2026، بعدة صواريخ مبنى من ثلاث طبقات، تقطنه عدة أسر نازحة، وتحيط به مخيمات نزوح تضم عشرات الخيام التي تؤوي عدداً كبيراً من العائلات النازحة، وسط مدينة غزة. أسفر القصف عن مقتل 10 مواطنين، بينهم 5 أطفال وسيدتان ورجل مسن، إلى جانب إصابة نحو 30 آخرين بجراح متفاوتة.
وأشارت المعلومات إلى أن عدداً من القتلى والجرحى كانوا من سكان خيام النزوح المحيطة بالمبنى، بعد تطاير الشظايا وقطع الركام باتجاه الخيام عقب القصف، وقد تم نقلهم جميعا لمستشفى السرايا الميداني التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ومجمع الشفاء الطبي، وتبين أن عدد من جثث القتلى تحولت لأشلاء وبعضها تفحم نتيجة الاستهداف العنيف. (يحتفظ المركز بأسماء القتلى). وأعلنت قوات الاحتلال مساء اليوم نفسه، أن الهجوم استهدف عنصرين بارزين من حركة حماس.
هاجمت طائرات الاحتلال عند حوالي الساعة ٢٠:٤٠ من يوم الثلاثاء الموافق ٢٦/٥/٢٠٢٦، بعدة صواريخ الطابقين الخامس والسادس من عمارة دريم السكنية والتجارية الواقعة في حي الرمال بمدينة غزة، ما أدى إلى مقتل 6 مواطنين، بينهم 3 سيدات (يحتفظ المركز بأسماء القتلى)، وإصابة العشرات بجروح، بعد تدمير البناية بالكامل، وإلحاق أضرار بالغة بالمباني المجاورة، إضافة إلى عشرات المحال التجارية الواقعة أسفل المبنى المستهدف وفي محيطه. كما تضررت عشرات المركبات التي كانت تسير أو متوقفة في الشارع، إلى جانب أضرار واسعة في البنية التحتية، شملت شبكات الكهرباء التجارية الخاصة بالمباني والمحلات، وشبكات الاتصالات الأرضية.
يذكر أن الشارع الذي وقع فيه الاستهداف يُعد من أكثر شوارع المدينة اكتظاظًا بالمواطنين، حيث كان يشهد حركة تسوق كثيفة قبيل يوم واحد من عيد الأضحى المبارك، بينما كان المواطنون، وبينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال، يتسوقون لشراء الملابس والاحتياجات الخاصة بالعيد. وقد سادت حالة من الفوضى والهلع الشديد في المكان عقب الغارات، نتيجة حالة الذعر التي عاشها المواطنون أثناء الاستهداف.
هاجمت طائرة مسيرة إسرائيلية عند حوالي الساعة 13:23 من اليوم نفسه، مركبة جيب توسان أبيض اللون جنوب غربي مواصي خان يونس، ما أدى إلى مقتل المواطنين إيهاب عيسى محمد كريزم، ومحمد سعيد الهباش.
وفي جريمة أخرى، وعند حوالي الساعة 05:30 من اليوم نفسه، تقدّم مسلحون من المليشيات المرتبطة بقوات الاحتلال والتي تتمركز شرقي القطاع، باتجاه مخيم المغازي، في المحافظة الوسطى، وركّزت تحرّكها في محيط منازل المواطنين في شارع أبو منديل وبالقرب من مسجد حسني المصدر، وهي مناطق ملاصقة تقريبًا للخط الأصفر، وذلك تحت غطاء من طائرات الاحتلال المسيّرة، واحتجزت عدد من المواطنين داخل منازلهم.
وبعد حوالي 10 دقائق، استهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية بصاروخ تجمعًا للمواطنين في المنطقة، ما أدى لمقتل 4 مواطنين، وهم: يوسف نبيل موسى المغاري، ٢٦ عامًا، وفادي مروان موسى المغاري، ٢٤ عامًا، وعبد الكريم عمر أحمد البشيتي، ٣٣ عامًا، والحسن جهاد عامر السيد، ٣٥ عامًا. كما أُصيب حوالي ٧ مواطنين بجراح متفاوتة.
وعند حوالي الساعة ١١:١٥ من صباح اليوم نفسه، استهدف الطيران المروحي الإسرائيلي شقة سكنية تقع في الطابق الثاني من منزل تعود ملكيته لعائلة البشيتي، يقع خلف مركز صحي وكالة الغوث بالمخيم ذاته، دون أن يُسفر الاستهداف عن وقوع إصابات.
وبعد انسحاب مسلحي المليشيا، عند حوالي الساعة ١٢:١٥ إلى داخل مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي، عثر المواطنون على جثمان المواطن صالح عبد الله محمد البشيتي، ٢٥ عامًا، حيث تبيّن أنهم قيدوا يديه بأربطة بلاستيكية، قبل إطلاق النار عليه وتركه ينزف حتى الموت.
هاجمت طائرات الاحتلال عند حوالي الساعة 13:22 من يوم الاثنين الموافق 25/5/2026 خيمة أحد النازحين في مخيم غيث شمال غرب مواصي خان يونس ما أدى إلى مقتل الطفلة منة الله نبيل كمال أبو لبدة، 5 سنوات، والمواطنة حنان عبد الناصر محمود محمود، 30 عاما، وإصابة ما يزيد عن 20 مواطنًا، وصفت جراح عدد منهم بالخطيرة، توفي منهم الطفلة فاطمة محمد عبد الهادي الخطيب، 15 عاما ظهر اليوم التالي متأثرة بإصابتها الخطيرة.
وبالتوازي مع موجة التصعيد في الغارات والقتل الجماعي، أعلن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، اليوم الخميس، أنه أصدر توجيهات للجيش بالسيطرة على 70 % من أراضي قطاع غزة، وفقا لما نقلت عنه القناة 12 الإسرائيلية. وقال نتنياهو في تصريحات أدلى بها خلال مؤتمر نظمته أكاديمية “عين برات” للقيادة في الضفة الغربية: ”في هذه المرحلة، نحن نسيطر بالكامل على 60 في المئة من أراضي قطاع غزة. كنا عند 50%، وانتقلنا إلى 60%. وجهت الجيش بالانتقال خطوة بخطوة، أولا إلى 70%” لنبدأ بذلك”.1
سبق ذلك، تصريحات لوزير الدفاع الإسرائيلي تحدث فيها بتنفيذ خطة “الهجرة الطوعية من غزة في التوقيت والطريقة المناسبين”.2
يؤكد المركز أن تصاعد الهجمات الدامية، مقرونا بالتصريحات العلنية الصادرة عن قادة الاحتلال، يكشف عن سياسة ممنهجة تستهدف تفريغ قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين عبر تدمير مقومات الحياة الإنسانية وإعدام سبل العيش والبقاء. وتدفع هذه السياسات نحو فرض واقع معيشي كارثي يقوم على القتل والتجويع والتدمير والنزوح المستمر، بما يجعل الحياة في القطاع شبه مستحيلة، ويولد ضغوطا قسرية تدفع السكان إلى الرحيل أو النزوح الدائم. وتروج سلطات الاحتلال لهذا الواقع بوصفه “هجرة طوعية”، بينما يشكل في جوهره جريمة تهجير قسري مكتملة الأركان.
يطالب المركز المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لوقف الجرائم الإسرائيلية المتصاعدة في قطاع غزة، وفرض إجراءات دولية فاعلة تكفل حماية المدنيين، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة، واتخاذ خطوات عملية وجادة لمنع استكمال سياسات التدمير الشامل والتهجير القسري التي تهدد الوجود الفلسطيني في قطاع غزة.