يصادف اليوم الجمعة، الموافق 3 يوليو 2026، مرور ألف يوم على بدء قوات الاحتلال الإسرائيلي جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، حيث تواصل تلك القوات جريمتها على مرأى ومسمع العالم، دون أن يقوم المجتمع الدولي، خصوصاً الدول الأطراف في اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، بواجباته لحماية المدنيين، ووقف هذه الجريمة ومعاقبة مقترفيها. ورغم بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، وفقاً لخطة ترمب للسلام، إلا أنه غير قائم فعلياً، حيث تواصل قوات الاحتلال حملة الإبادة الجماعية في القطاع، وتثبت الوقائع على الأرض أن مجلس السلام الذي انبثق في إطار تلك الخطة لا يعني سوى مأسسة لجريمة الإبادة الجماعية واستمرارها، مع الإبقاء على الشروط والظروف الإنسانية الطاردة للحياة، فيما لا تزال مخاطر التهجير القسري قائمة تهدد كل الغزيين.
تشكل جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة استمراراً لسلسة طويلة من الجرائم الدولية التي تقترفها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، في إطار النظام الاستعماري الاستيطاني القائم على التطهير العرقي لأصحاب الأرض الأصليين وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه والتنكر لحقه في تقرير المصير.
ومنذ العام 2007، فرضت قوات الاحتلال الإسرائيلي حصاراً شاملاً على قطاع غزة، أدى وما يزال إلى كارثة إنسانية من صنع البشر، حيث مس كافة جوانب وتفاصيل الحياة اليومية للغزيين وأدى إلى تدهور غير مسبوق في ظروفهم المعيشية، إمعاناً في فرض بيئة طاردة وخلق ظروف معيشية يصعب معها بقاء الفلسطينيين في قطاع غزة.
وبالتوازي مع هذا الحصار غير الإنساني وغير القانوني، شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي أربعة حروب على قطاع غزة بين الأعوام 2008 – 2021، خلفت آلاف الضحايا، غالبيتهم من المدنيين، وأدت إلى تدمير واسع النطاق في الأعيان المدنية، بما في ذلك المنشآت الطبية، المؤسسات التعليمية، دور العبادة، المباني السكنية، المنشآت الصناعية والزراعية، الطرق وشبكات الكهرباء والماء وأنظمة الصرف الصحي. ووفقاً للتحقيقات التي قام بها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في كل من تلك الحروب والهجمات العسكرية، تعمدت قوات الاحتلال الإسرائيلي استهداف المدنيين والممتلكات المدنية وارتكبت جرائم حرب على نطاق واسع. وهذا ما خلصت له لجان تحقيق دولية مستقلة، من بينها بعثة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بعد عدوان 2008، حيث أكدت أن الأدلة التي جمعتها توضح أن “تدمير منشآت التزويد بالغذاء، وشبكات المياه والمرافق الصحية، ومصانع الخرسانة، والوحدات السكنية، كان نتيجة لسياسة مقصودة انتهجتها القوات المسلحة الإسرائيلية. وقد نفذت هذه السياسة ليس لأن تلك الأهداف كانت تمثل تهديداً عسكرياً أو بمحض الصدفة، بل لجعل مسار الحياة اليومية والعيش الكريم للسكان المدنيين أكثر صعوبة.”1
منذ اللحظة الأولى للهجوم العسكري الإسرائيلي واسع النطاق وغير المسبوق على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، كان الهدف بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية واضحاً، وانعكس ذلك في أمرين: أولاً، النية بارتكاب الإبادة الجماعية، وهو ما صرح به القادة السياسيون والعسكريون في دولة الاحتلال علانية أمام وسائل الإعلام، مقرونةً بقرارات اتخذتها الدولة؛ وثانياً، الأفعال التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين في قطاع غزة وتأثيراتها المباشرة وبعيدة المدى، بما في ذلك القتل والتدمير والحاق أذى جسدي وتدمير سبل الحياة وخلق واقع يستحيل معه بقاء الفلسطينيين كمجموعة قومية.
على مدار 1000 يوم، دكت قوات الاحتلال الإسرائيلي قطاع غزة بآلاف الأطنان من القنابل التي يصل وزن بعضها إلى 1000 كيلو غرام للواحدة، مستهدفة المدن والأحياء السكنية والمرافق الحيوية الصحية والتعليمية والخدمية: مدن وأحياء سكنية دمرت بالكامل، وآلاف المنازل السكنية دمرت على رؤوس قاطنيها؛ المستشفيات والمراكز الطبية ومرافق الإسعاف والدفاع المدني تم استهدافها وتدميرها؛ الجامعات والمدارس دمرت؛ شبكات الطرق والكهرباء والمياه والصرف الصحي تم تدميرها؛ المنشآت الاقتصادية الحيوية من مزارع ومصانع وأسواق تجارية ومرافئ صيد تعرضت للقصف والتدمير، وأكثر من 2 مليون نسمة شردوا من منازلهم بفعل القصف ومئات أوامر الإخلاء التي طالت كل أنحاء القطاع، وأُجبروا على النزوح مراراً بحثًا عن مكان آمن، ليجدوا أنفسهم محصورين في مراكز إيواء وخيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة، ويتعرضون للقصف والهلاك في تلك الأماكن التي يفترض أن تشكل ملاذاً آمناً لهم. كما استهدفت قوات الاحتلال بشكل مباشر الطواقم الطبية وفرق الإسعاف والدفاع المدني أثناء محاولتهم تقديم العون للجرحى أو انتشال الجثث من تحت ركام المنازل والمنشآت المدنية المدمرة.
ومنعت قوات الاحتلال الإسرائيلي تدفق المساعدات الغذائية والطبية والاحتياجات الأساسية، وفرضت حصارًا مشددًا، واستخدمت التجويع كأداة حرب. كما نفذت تلك القوات حملات اعتقال واسعة النطاق، حيث تعرض الآلاف من الرجال والنساء والأطفال إلى أساليب تعذيب وحشية، أسفرت عن مقتل العشرات من المعتقلين. وقد وثق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان شهادات مروعة لمعتقلات ومعتقلين تعرضوا لاعتداءات جنسية واغتصاب خلال اعتقالهم والتحقيق معهم. وما يزال آلاف الفلسطينيين، في عداد المفقودين لا يعلم أحد مصيرهم، وقد تحقق المركز الفلسطيني أكثر من 540 حالة اختفاء قسري.
وفقاً للبيانات الرسمية في غزة، حصدت حرب الإبادة على امتداد 1000 يوم أرواح أكثر من 73 ألف فلسطيني في قطاع غزة، فيما أصيب أكثر من 173 ألفاً. الغالبية العظمى من القتلى كانوا من المدنيين، بينهم 21500 طفل و12500 امرأة (55% من مجموع القتلى)، و1700 من الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، ونحو 300 من العاملين في فرق الدفاع المدني وطواقم البلديات، و262 صحفياً تم استهداف العديد منهم بشكل مباشر أثناء قيامهم بعملهم الصحفي.
منذ الأيام الأولى للهجوم، تقاطعت التصريحات والقرارات الإسرائيلية الرسمية مع الهجوم العسكري واسع النطاق، لتدلل بما لا يقبل أي تأويل أن مجمل الأفعال والممارسات الإسرائيلية هي نهج واضح بتنفيذ جريمة إبادة جماعية تستهدف الفلسطينيين كمجموعة قومية، ليس فقط من خلال القتل فقط، بل أيضاً تدمير سبل الحياة الآن ومستقبلاً. وقد دقّ المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، ومعه المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، مبكرًا ناقوس الخطر حول خطر ارتكاب الاحتلال جريمة الإبادة الجماعية، والحاجة إلى موقف دولي حازم لوقفها.
وفي 29 ديسمبر 2023، قدمت دولة جنوب افريقيا دعوى قضائية لدى محكمة العدل الدولية في لاهاي، تتهم إسرائيل بارتكاب أفعال إبادة جماعية في قطاع غزة، مطالبة المحكمة بإصدار تدابير مؤقتة من أجل حماية أي ضرر جسيم وغير قابل للإصلاح لحقوق الشعب الفلسطيني بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، وضمان امتثال إسرائيل لالتزاماتها بموجب الاتفاقية.2 وفي 26 يناير 2024، أصدرت المحكمة قراراً ملزماً في القضية، حيث قررت بأن هناك أساسًا معقولًا للاعتقاد بأن إسرائيل ترتكب جرائم إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني خلال هجومها العسكري على غزة. وفرضت المحكمة تدابير مؤقتة تشمل إلزام إسرائيل بمنع الإبادة الجماعية، وضمان توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية للفلسطينيين، إضافة إلى منع ومعاقبة التحريض على ارتكاب الإبادة الجماعية.3 ومنذ بدء الدعوى القضائية أصدرت محكمة العدل الدولية ستة تدابير مؤقتة، تحدتها دولة الاحتلال ولم تمتثل لأي منها.
وفي 21 نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أوامر اعتقال بحق كل من رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه آنذاك يوآف غالنت، بتهم ارتكاب جرائم حرب متمثلة في استخدام التجويع كسلاح حرب وبالهجوم المتعمد على السكان المدنيين، وجريمة الاضطهاد وأفعال غير إنسانية أخرى. ومع ذلك ورغم أهمية هذه القرارات ودلالاتها، لم ترتدع دولة الاحتلال وواصلت ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
المشهد الراهن في غزة، وبعد 1000 يوم على حرب الإبادة الجماعية، لا يشبهه شيء، بل هو أشبه بالجحيم: مشاهد الدمار في كل مكان، وقوات الاحتلال الإسرائيلي زادت من مساحة سيطرتها الفعلية على الأرض لتبلغ 70% من مساحة القطاع، ويتكدس نحو 2.3 مليون نسمة في شريط حدودي لا تتجاوز مساحته 100 كليو متر مربع، أي بكثافة سكانية تبلغ نحو 23 ألف نسمة لكل كيلومتر مربع، وهي نسبة غير مسبوقة في أي بقعة جغرافية في الكون، يقطن غالبيتهم في خيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة والبقاء. لا مستشفيات أو مرافق صحية، لا جامعات ولا مدارس، وجيل كامل تطمس هويته وتمحى ذاكرته. وتتفشى الأوبئة بفعل انهيار النظام الصحي، والمرافق الأخرى المتصلة به من ماء وكهرباء وصرف صحي، فضلاً عن تكدس تلال من القمامة في عمق المناطق السكنية، بسبب منع الاحتلال نقلها إلى أماكن تجميع النفايات الصلبة. وتتفاقم الأزمة الإنسانية جراء منع قوات الاحتلال أو عرقلتها وصول المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الغذاء والدواء والوقود اللازم لتشغيل مولدات الكهرباء للمستشفيات ومحطات المياه والمخابز ونظم الصرف الصحي وغيرها من المرافق الحيوية، ولا يصل من هذه المساعدات سوى قطرة في محيط من الاحتياجات الإنسانية.
مضى ما يقرب من تسعة أشهر على بدء سريان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، ولم يطرأ تغيير جوهري على حملة الإبادة الجماعية، ووقف إطلاق النار غير قائم فعلياً، حيث واصلت قوات الاحتلال أعمال القصف وإطلاق النار في مختلف أنحاء قطاع غزة، وقتلت أكثر من 990 شخصاً، وأصابت أكثر من 3000 آخرون منذ وقف إطلاق النار. ويتضح أكثر من أي وقت مضى أن خطة ترمب للسلام التي تم بموجبها التوصل لوقف إطلاق النار، وما تمخض عنها من مجلس السلام برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا تعنى سوى مأسسة الإبادة الجماعية واستمرارها.
لقد بشر الرئيس ترمب في خطته بسلام لن يتحقق لأنها تتناقض مع القانون الدولي، وأي سلام لا يقوم على أساس القانون الدولي واحترام الحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف ليس سلاماً. لقد أطلق العنان للاحتلال الإسرائيلي بارتكاب المزيد من القتل والتدمير والتشريد، ولم يسمح بإدخال الدواء والغذاء أو مواد البناء لإعادة الإعمار، ولم يسمح بعودة نحو 200 ألف غزي بالعودة للقطاع، والمعاناة الإنسانية تتفاقم، وما تزال مخاطر التهجير والتطهير العرقي قائمة وحقيقية.
تقترف جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة وتبث على الهواء مباشرة على مرأى ومسمع العالم، في مشهدٍ يندى له جبين الإنسانية، بدعم كامل من الولايات المتحدة ودول غربية عديدة تمد إسرائيل بالسلاح والعتاد الحربي، علاوة على الدعم السياسي، وهي طرف أساسي في جريمة الإبادة الجماعية، إن كان بالدعم المباشر أو بالتواطؤ. إن غياب المساءلة المتأصل في النظام الدولي والحصانة التي تتمتع بها إسرائيل، بدعم من حلفائها الغربيين، هو ما شجعها على استمرار تحديها السافر للقانون الدولي، وجريمة الإبادة الجماعية في غزة هي حصاد ونتاج عقود من الدعم الغربي لإسرائيل ولسياسة الحصانة والإفلات من العقاب. وقد آن الأون ليتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته ويضع حدًا لهذا الفجور في انتهاك القانون الدولي من قبل دولة الاحتلال.