طباعة

مقدمة:

بتاريخ 1/8/2002، أعلنت الحكومة الإسرائيلية رسمياً عن انتهاجها لسياسة هدم منازل ذوي فلسطينيين تدعي أنهم  نفذوا، خططوا أو ساعدوا للقيام بأعمال ضد أهداف إسرائيلية في الأراضي المحتلة أو داخل إسرائيل كوسيلة من وسائل الردع في مواجهة الانتفاضة.  تعود جذور هذه السياسة إلى العام 1967، أي منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث دمرت قوات الاحتلال آلاف منازل الفلسطينيين على خلفية نشاط أحد أفراد العائلة في أعمال مقاومة ضد قوات الاحتلال، مما أدى إلى تشريد آلاف العائلات.  وارتفعت وتيرة هذه السياسة، خلال الانتفاضة الأولى، بين عامي 1987-1994، حيث هدمت قوات الاحتلال مئات المنازل لفلسطينيين تتهم أحد أفراد العائلة بتنفيذ عمليات ضد أهدف إسرائيلية في الأراضي المحتلة أو إسرائيل.  لكن تراجعاً ملحوظاً طرأ على عدد المنازل التي دمرتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على نفس الخلفية، مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1994، واستلامها لصلاحياتها.  ومع عودة الانتفاضة في سبتمبر 2000، شهدت الأراضي المحتلة عودة قوات الاحتلال الإسرائيلي لانتهاج هذه السياسة من جديد، وتدمير عشرات المنازل لمواطنين تتهم أحد أفراد عائلتهم بمقاومة الاحتلال.

 

وتحظى هذه السياسة القديمة الجديدة بمباركة وتأييد أعلى المستويات السياسية والقضائية في إسرائيل.   وتجد تأييداً كاملاً من رئيس الوزراء الإسرائيلي، أرئيل شارون، المعروف بماضيه في تدمير منازل الفلسطينيين بالضفة الغربية وقطاع غزة، حين كان قائداً لمنطقة غزة في حقبة السبعينات، ووزيراً للدفاع في أوائل الثمانينات.   وفي تأكيد على انتهاج الحكومة الإسرائيلية لهذه السياسة،كشف وزير الدفاع الإسرائيلي، في حينه، بنيامين بن اليعازر النقاب خلال الجلسة الأسبوعية للحكومة الإسرائيلية، أن إسرائيل” صعدت من عمليات هدم منازل الضالعين في عمليات انتحارية.  فقد تم لغاية الآن هدم 17 منزلاً، ونرى نتائج أولية تثبت بأن هذه الخطوة هي بمثابة رادع.”[1] و في تعقيب له على حالة الهدوء التي تشهدها الأراضي المحتلة وإسرائيل، والانخفاض الواضح في عدد العمليات ضد أهداف إسرائيلية، صرح بن اليعازر “أن الهدوء النسبي هو نتيجة وسائل الردع وحساب النفس لدى الفلسطينيين”، وأضاف أن هنالك انخفاض في عدد منفذي العمليات الذين يحاولون تنفيذ عمليات انتحارية، معللا ذلك باستعمال إسرائيل لوسائل مختلفة مثل هدم البيوت والطرد.”[2]  كما أجاز المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية الياكيم روبنشتاين،” تفجير منازل في الضفة الغربية تعود لعائلات منفذي عمليات ضد إسرائيل”.  وذلك في معرض رده على طلب جهاز الأمن العام الإسرائيلي السماح بطرد وهدم منازل أقرباء “الانتحاريين” بغرض ردع الفلسطينيين الذين يفكرون بتنفيذ عمليات تفجيرية

 

كما تحظى هذه السياسة بغطاء قانوني من قبل أعلى هيئة قضائية في إسرائيل.  فقد أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية بتاريخ 6/8/2002، قراراً  يسمح  لقوات الاحتلال بهدم منازل المقاومين الفلسطينيين، مستندة على المادة 119 من أنظمة الطوارئ البريطانية 1945.[3]  وفي ردها على التماس تقدمت به مؤسسات حقوقية، باسم 40 أسرة شهيد فلسطيني، تطالبها فيه بإصدار أمر لقوات الاحتلال بإبلاغ العائلات الفلسطينية بموعد عزم قوات الاحتلال هدم المنزل، رفضت المحكمة هذا الالتماس.  كما أيد رئيس وأعضاء المحكمة موقف قوات الاحتلال والجهات الأمنية الإسرائيلية، التي ادعت أن إبلاغ عائلات الشهداء بموعد هدم منازلها من شأنه أن يعرض حياة الجنود للخطر لدى تنفيذهم عمليات الهدم. واعتبرت المحكمة بأن هذه الإجراءات “تشكل جزءاً من نشاطات القتال التي يمارسها الجيش الإسرائيلي، وعليه فإنها تخضع لجميع إجراءات القتال.”[4]

 

يسلط هذا التقرير الضوء على جانب خطير من الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب التي تواصل  اقترافها قوات الاحتلال، ولا تزال، وهو هدم قوات الاحتلال الإسرائيلي لمنازل ذوي فلسطينيين تدعي أنهم نفذوا أو خططوا أو ساعدوا للقيام بأعمال ضد أهداف إسرائيلية في الأراضي المحتلة أو داخل إسرائيل.  ولا يتطرق هذا التقرير إلى مئات المنازل السكنية التي هدمتها قوات الاحتلال خلال الانتفاضة لأسباب مختلفة منها عدم الترخيص، أو لأسباب أمنية تدعي هذه القوات أن وجودها يشكل خطراً على حياة جنودها والمستوطنين.  وتنفذ أعمال هدم منازل ذوي المقاومين الفلسطينيين كشكل من أشكال العقوبات الجماعية على المدنيين الفلسطينيين، وكأعمال انتقامية تهدف إلى معاقبة الأهل على أعمال يتهم أبناؤهم بارتكابها، يمنع الآخرين من القيام بأعمال مشابهة.  وتشكل هذه العقوبات خرقاً وانتهاكاً جسيماًً للقانون الدولي الإنساني، خاصة لاتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب لعام 1949.  ولا تقدم قوات الاحتلال الإسرائيلي دليلاً على تورط هؤلاء الفلسطينيين بأعمال عسكرية ضدها في غالب الأحيان، حيث يعتمد على تقارير أجهزة الأمن الإسرائيلية، دون تقديم المتهم للمحاكمة العادلة.

 

منذ بدء انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000،  كانت تقترف جرائم هدم المنازل بهدوء، بما في ذلك هدم منازل على خلفية نشاط أحد أفراد العائلة بمقاومة الاحتلال، ودون أن تحدث ضجة إعلامية مصاحبة لها، حيث كان الهدم يتم بين الفينة والأخرى، وعلى فترات متباعدة.  إلى أن أعلن عنها رسمياً من قبل الحكومة الإسرائيلية في 1 أغسطس 2002.  وقد هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال تلك الفترة ، 20 منزلاً سكنياً في الضفة وغزة، كانت تتم معظمها خلال عمليات الاقتحام للمناطق الفلسطينية، أو خلال عمليات خاصة. 

 

ووفقاً لتوثيق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فقد هدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الفترة قيد البحث بين 29/9/2000-31/12/2002، 139منزلاً لفلسطينيين بزعم بأن أحد أفراد العائلة شارك في تنفيذ أو تخطيط، أو المساعدة في عمليات ضد أهداف إسرائيلية في الأراضي المحتلة أو داخل إسرائيل.  ومن بين الذين هدمت منازلهم من كان مطلوباً لقوات الاحتلال حتى تاريخ هدم منزل ذويه، ومنهم من كان معتقلاً في سجون الاحتلال ومعتقلاتها، وآخرين استشهدوا على أيدي قوات الاحتلال خلال حملات اقتحام للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، أو خلال عمليات اغتيال لنشطاء فلسطينيين، أو قاموا بتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية في الأراضي المحتلة أو إسرائيل.  كما طالت أعمال الهدم منازل فلسطينيين بتهمة إيوائها مطلوبين لقوات الاحتلال.  ولم تقتصر جرائم هدم المنازل على ذوي الفلسطينيين المشاركين في المقاومة الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى الحالية، بل تعدت هذه الجرائم تصل إلى فلسطينيين نفذوا أو خططوا لعمليات عسكرية ضد قوات الاحتلال إبان الانتفاضة الأولى، بين عامي 1987-1994. 

 

وقد لاقت هذه السياسة تنديداً دولياً من قبل منظمات حقوق إنسان دولية، فقد استنكرت منظمة العفو الدولية (أمنستي) في بيان صحفي صدر بتاريخ 6/8/2002، قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الذي يسمح بهدم المنازل دون مراجعة قضائية، لعائلات الأشخاص الذين يعتقد أنهم نفذوا هجمات ضد الإسرائيليين.”  وأكدت المنظمة الدولية في بيانها، أن المحكمة العليا الإسرائيلية استندت في قرارها هذا إلى المادة 119، من أنظمة الطوارئ البريطانية لعام 1945.  وتتيح هذه المادة للقائد العسكري هدم أي منزل في حال كان بحوزة أي شخص من أفراد العائلة سلاح بندقية أو وسيلة قتالية، بل حتى إذا ساعد شخص ما بسلاح أو بندقية أو وسائل قتالية.”

 

كيف تتم عمليات هدم المنازل؟

في معظم حالات الهدم تفرض قوات الاحتلال الإسرائيلي حالة من الخوف والهلع على أصحاب المنازل المنوي هدمها.  حيث يتم اقتحام المنطقة أو الحي المتواجد به المنزل، في ساعات الفجر بقوات هائلة من السيارات العسكرية والدبابات والجرافات، وفي حالات تساندها الطائرات المروحية. وتقوم هذه القوات بفرض حظر للتجوال في المنطقة، وتحاصر المنزل المستهدف، ومن ثم تقوم بالنداء على أصحاب المنزل الخروج خلال اقل من عشرين دقيقة وإخلاء الأثاث والمحتويات، بهدف هدم المنزل.  ولا تعتبر هذه المدة كافية إطلاقاً لإخراج المحتويات والأثاث.  وفي حالات عديدة يتم اختصار الوقت المعطى لهم إلى أقل من ذلك، وقبل أن يتمكنوا من إخراج جزء من الأثاث، يقتحم جنود الاحتلال المنزل ويزرعون على جانبه الألغام والمتفجرات ومن ثم يقومون بنسفه.  على سبيل المثال، في حوالي الساعة 1:00 فجراً، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي معززة بالآليات الثقيلة والدبابات، حي الشجاعية، شرق مدينة غزة.  وحاصرت تلك القوات منزل المواطن محمد عبد الله سالم حلس، الذي يقع على بعد 60متر إلى الشرق من الطريق الاستيطاني الواصل بين مستوطنة نتساريم ومعبر كارني.  وطالبت قوات الاحتلال عبر مكبرات الصوت أصحاب المنزل والمنازل المجاورة مغادرتها خلال عشرين دقيقة.  وقبل انتهاء المهلة بعشرة دقائق، اقتحمت قوات الاحتلال المنزل ووضعت مواد متفجرة في أركانه، وقامت بتفجيره.  وقد أدت عملية التفجير إلى إلحاق أضرار في 10 منازل مجاورة.  ويتكون المنزل المستهدف من طابقين، على مساحة 160م2، ويقطنه 11 فرداً.  ويعود لذوي الشهيد أسامة حلس، الذي قضى أثناء تنفيذ لعملية فدائية داخل مستوطنات غوش قطيف، جنوب القطاع.  وقد أفاد صاحب المنزل للمركز الفلسطيني بالتالي:

“في حوالي الساعة الواحدة فجراً شاهدت 3 دبابات تابعة لقوات الاحتلال تتوقف قبالة منزلنا، ونزل منها عدد كبير من الجنود.  وعلى الفور أمروا عبر مكبرات الصوت أهل البيت بالخروج.  واقتحم الجنود المنزل، وطلب مني ضابط الوحدة إخراج الجميع من المنزل، خلال عشرة دقائق بنية هدم البيت، فامتثلت للأوامر.  وقبل أن تنقضي المدة أمرونا بالخروج دون أن نتمكن من إخراج الأشياء الهامة.  وأمرني الجنود بالسير أمامهم في جميع الغرف، حيث قاموا بتفتيش المنزل بشكل كامل.  وقام الجنود بزرع المتفجرات في أرجاء المنزل، ثم أمروني بالخروج منه، وإبلاغ الجيران بإخلاء منازلهم.  قمنا بالتجمع على بعد 200متر إلى الشرق من المنزل.  وبعد قرابة ساعة، سمعنا صوت انفجار قوي هز المنطقة، وخرج غبار كثيف غطى المنطقة، وأصابنا بحالة اختناق.  عدت قرابة 2:30 فجراً،إلى المنزل بعد انسحاب قوات الاحتلال من المكان، لأجده عبارة عن كومة من الركام والحجارة، وقد تضرر عدد كبير من المنازل المجاورة.”

 

وفي أحيان أخرى تقوم الجرافة بهذا الدور وتهدم البيت، مما يؤدي إلى إحداث أضرار هائلة في المنازل المجاورة، وتصدع بعضها.  فبتاريخ 4/8/2002، داهمت آليات عسكرية تابعة لقوات الاحتلال، ترافقها جرافة عسكرية ضخمة، بلدة طلوزة، شمال شرق نابلس.  وحاصرت القوة منزل ذوي الشهيد محمد مشهور عوايصة (حشايكة)، وأرغمت أفراد العائلة الستة على إخلاء المنزل المكون من طابق واحد، وتقدر مساحته بحوالي 150م2.  على الفور، شرعت الجرافة بعملية هدم المنزل، مما أدى إلى تدميره ومنزلين آخرين ملاصقين به، فضلاً عن إلحاق أضرار مادية جسيمة بثلاث منازل أخرى مجاورة.  كما قامت قوات الاحتلال باعتقال والد الشهيد، مشهور حشايكة، وشقيقه ماهر، 22 عاماً، واقتادتهما لجهة مجهولة.  والشهيد محمد هو المتهم بتنفيذ العملية التفجيرية في شارع الملك داوود في مدينة القدس، بتاريخ 21/3/2002.

 

وفي أحيان أخرى تتم عملية الهدم بواسطة الدبابات حين تعجز قوات الاحتلال في الوصول إلى الهدف.  بتاريخ 23/9/2002، وفي حوالي الساعة 11:30 مساءً، اقتحمت قرابة تسعين دبابة وآلية عسكرية إسرائيلية ثقيلة، تساندها طائرات مروحية، حي الشجاعية، إلى الشرق من مدينة غزة.  وجرت اشتباكات مسلحة بين تلك القوات ومقاومين فلسطينيين، أدت إلى استشهاد تسعة فلسطينيين، وإصابة العشرات بجراح.  غالبيتهم قتلوا أو أصيبوا نتيجة إطلاق النار على منازل المواطنين.  وحاولت قوات الاحتلال التقدم إلى بيت الشهيد محمد فرحات، وسط الحي، غير أن كثافة النيران الفلسطينية حالت دون ذلك، مما دفعهم إلى قصف المنزل بالدبابات.  وقد أدى القصف إلى تدمير المنزل، وإحداث أضرار في ثمانية 8 منازل أخرى مجاورة.  وكانت عائلة الشهيد محمد فرحات، الذي نفذ عملية فدائية داخل مستوطنة إسرائيلية جنوب قطاع غزة في وقت سابق من العام، قد أخلت المنزل تحسباً لهدمه بشكل مباغت. ويتكون المنزل من طابقين على م مساحة 200م2، ويقطنه 11 فرداً.

 

 * للحصول على النسخة الكاملة من التقرير الرجاء الضغط هنـا (pdf)