طباعة

تمهيد

يركز هذا التقرير على حصر النتائج الكارثية التي خلفتها العمليات العسكرية لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي في محافظة رفح خلال شهر آيار/ مايو للعام 2004، وخاصة خلال الفترة من 12 إلى 24 من نفس الشهر، والتي شهدت تنفيذ ما أطلقت عليه القوات المحتلة عملية “قوس قزح”.  ويسعى هذا التقرير إلى لفت أنظار المجتمع الدولي، حكومات ومنظمات دولية حكومية وغير حكومية، إلى جرائم الحرب المستمرة حتى لحظات كتابة هذا التقرير في الأراضي الفلسطينية المحتلة عامة، وفي محافظة رفح بشكل خاص.  ويسلط هذا التقرير الضوء على الانتهاكات الجسيمة والخطرة، والتي ترتقي إلى كونها جرائم حرب، وشكلاً من أشكال عمليات الترانسفير الجماعي والتطهير العرقي في محافظة رفح، والتي استندت إلى ممارسة ترويع السكان وإرهابهم بهدف اقتلاع السكان الآمنين من منازلهم وممتلكاتهم المدنية، وترحيلهم من مناطق سكنهم.  ويرصد التقرير كافة الانتهاكات الجسيمة والخطرة التي جرت خلال تلك الفترة، مع تركيز خاص على انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في محافظة رفح بما فيها محاربة السكان في وسائل عيشهم الخاصة.

ويتناول التقرير عمليات التدمير والهدم المنظم والممنهج الذي نفذته القوات الحربية المحتلة في محافظة رفح، والتي أدت إلى تدمير وهدم المئات من منازل السكان المدنيين، وطالت البنية التحتية للعديد من الأحياء فيها، وأتت على كافة الخدمات الأساسية كالطرق، آبار المياه، شبكات مياه الشرب، شبكات الصرف الصحي، الكهرباء، الهاتف، المرافق العامة، المساجد، الأندية والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والرياضية، الأراضي الزراعية والمنشآت والأعيان المدنية الأخرى المختلفة، وخلفت ما يشبه الزلزال الذي ضرب المنطقة.

 أخيراً يستند هذا التقرير فيما وصل إليه على التحقيقات الميدانية التي تابعها المركز، عبر طواقمه المختلفة، والتي تواجدت في المنطقة، وقامت بجمع المعلومات ومقابلة الضحايا وتسجيل إفاداتهم القانونية وأخذ التسجيلات الصوتية والمصورة وجمع الأدلة القانونية، خلال عملية الاجتياح، ووصولاً إلى عمل المركز القانوني، الذي استطاع استصدار قرار احترازي من المحكمة العليا الإسرائيلية، أوقف بموجبه عملية هدم وتدمير منازل رفح، وأجل تنفيذ عملية قوس قزح لمدة ثماني وأربعين ساعة في ليلة يوم الجمعة الموافق 14 آيار/ مايو 2004.[1]

 

 

مقدمة

هذا التقرير هو جزء من الحقيقة التي يسعى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان للكشف عنها بكافة تفاصيلها، وهو عرض للانتهاكات الجسيمة والخطرة وجرائم الحرب التي نفذتها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي خلال شهر مايو/ آيار 2004، وخاصة عندما قامت باجتياح محافظة رفح خلال الفترة من الثاني عشر وحتى الرابع والعشرين منه.  هذه العملية الحربية التي أطلقت عليها قيادة هيئة أركان القوة الحربية المحتلة اسم “قوس قزح”، بدأت بعملية عزل وحصار شامل للمحافظة من الاتجاهات الأربعة، وحشدت لها عشرات الآليات الحربية كالدبابات والمدرعات وناقلات الجنود، بالإضافة إلى طائرات الأباتشي الهجومية وطائرات الاستطلاع، والتي جسدت أكبر حملة عسكرية يتعرض لها قطاع غزة منذ العام 1967.   الوقائع الميدانية تشير إلى ارتكاب القوات المحتلة جرائم حرب فظيعة تجاه السكان المدنيين وممتلكاتهم وأعيانهم المدنية.  فقد أسفرت هذه العملية عن استشهاد 58 فلسطيني، من بينهم 12 من الأطفال، فيما أصيب نحو 200 مواطن بجراح، نصفهم تقريباً من الأطفال.[2]  كما خلفت العملية حالة من الدمار الشامل في الممتلكات والأعيان المدنية، وصفتها العديد من المنظمات الدولية والمحلية والعاملين في وسائل الاعلام بالحالة الإنسانية الكارثية الشاملة التي ألمت بالمحافظة، والزلزال الذي ضربها، خاصة في كل من أحياء تل السلطان، البرازيل، السلام، منطقة تل زعرب، الشوكة قرية أم النصر وصولاً إلى محيط مستوطنة موراج شمال شرقي المحافظة.

الفريق موشيه يعلون، قائد هيئة أركان قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، تحدث عن العملية الحربية في آخر أيامها قائلاً: “… مشكلتنا ليست الوضع الميداني في رفح، إنما الأكاذيب التي ينشرونها بشأن ذلك.  للأسف الشديد، يتحدث الفلسطينيون، وكذلك جهات معينة أخرى كمندوب وكالة غوث اللاجئين (أنروا) التابعة للأمم المتحدة، عن نحو 1650 شخص فقدوا منازلهم،… العدد الأخير الذي أعرفه أننا هدمنا 12 منزلاً فقط منذ بداية الحملة”.[3]

غير أن المعطيات الميدانية دحضت أقوال الفريق يعلون، حيث أدت العمليات الحربية، التي جرت خلال شهر آيار/ مايو 2004، إلى تدمير 261 منزل بشكل كلي، فيما تعرض 271 منزل إلى أضرار وتدمير بالغ، الأمر الذي خلف حالة من التشريد والتهجير القسري الجماعي لمئات العائلات الفلسطينية.  وقد خسرت 561 عائلة منازلها التي دمرت وسويت بالأرض، والتي بلغ عدد أفرادها 3352 شخص معظمهم من النساء والأطفال، فيما تعرضت منازل 687 عائلة، قوامها 4069 شخص إلى أضرار بالغة جراء عمليات الهدم والتدمير، بحيث أصبحت تلك المنازل في معظمها غير صالحة للسكن وغير آمنة.  واضطرت المئات من العائلات الأخرى إلى ترك وهجر منازلها حفاظاً على حياة أفرادها وأمنهم وسلامتهم، وهرباً من عمليات القتل وإطلاق النيران والقذائف الصاروخية والمدفعية تجاههم خلال تواجدهم في منازلهم.  وأصبحت الحالة الأكثر إيلاماً هي تلك التي تذكر السكان بحالة التهجير القسري الجماعي التي عاشتها معظم تلك العائلات خلال نكبة فلسطين في العام 1948، والتي تزامنت ذكراها السادسة والخمسين مع هذه العملية الحربية.  وأمام حالة اللجوء

والتشرد التي كابدها المدنيون، ولا يزالون،[4] تم إعداد ثلاث مراكز لإيواء العائلات التي تشردت، فيما قامت وكالة هيئة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا) بفتح عدد من مدارسها وأحد الأندية التابعة لها لتوفير مأوى مؤقتاً للآلاف ممن فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، وسط ظروف إنسانية وصحية بالغة التعقيد والسوء، تركت آثارها النفسية على السكان المدنيين، خصوصاً النساء والأطفال والمعاقين وكبار السن.  حالة من التشتت لا تزال تعيشها العائلات التي هجرت وفقدت منازلها، حيث المدارس ومراكز الإيواء الأخرى أصبحت مكتظة باللاجئين، خاصة بعد أن فقدوا كافة ممتلكاتهم ومقتنياتهم الشخصية، بما فيها أوراقهم الشخصية الثبوتية وهوياتهم وجوازات سفرهم وشهادات ميلادهم.

وما يزيد الأمور إيلاماً وتعقيداً هو الحجم المهول للدمار الشامل الذي حل بالبنية التحتية للمحافظة، في خطوة تعتبر شكلاً من أشكال العقاب الجماعي لحوالي 162000 نسمة يقطنون المحافظة، ويتوزعون في أحيائها ومخيمها.  فقد دمرت جرافات وآليات القوات الحربية الإسرائيلية المحتلة كامل الطرق المعبدة الرئيسية والفرعية في كل من أحياء البرازيل، السلام وتل السلطان.  فيما قامت بتدمير شارع البحر، وهو الشارع الرئيسي في المحافظة، من حدود منطقة تل زعرب وحتى نهاية حي تل السلطان غربي المحافظة.  عملية التدمير والهدم تعدت ذلك إلى قصف وتدمير وتجريف شبكات المياه الرئيسية والفرعية ومحولات الضغط العالي الكهربائية وشبكات الضغط المرتفع والمنخفض في هذه الأحياء، بالإضافة إلى تدمير شبكات وخطوط وأعمدة الهاتف.  كما طالت عمليات التجريف والهدم شبكات الصرف الصحي، بما فيه الخط الرئيسي، الأمر الذي نتج عنه اختلاط مياه الشرب بالمياه العادمة في كافة شوارع تلك الأحياء، وأنذر بكارثة بيئية بات يخشى على حياة السكان من تعرضهم للعديد من الأوبئة والأمراض. 

الممتلكات والأعيان المدنية الأخرى لم تسلم من عمليات التدمير والهدم المنظمة، والتي طالت عشرات المحلات التجارية والمصانع ومزارع الطيور والأبقار والماعز والمرافق العامة كالأندية وحديقة الحيوان والمتنزهات والمدارس والمساجد.  الأراضي الزراعية التي تشتهر بها محافظة رفح، خاصة في مجال إنتاج الخضار والزيتون والورود تعرضت هي الأخرى إلى عمليات تجريف واسعة النطاق، شملت ما يزيد عن 719 دونماً منها، والتي اشتملت أيضاً على العشرات من الدفيئات الزراعية المنتجة، وأشجار اللوزيات والورد المعد للتصدير للعالم الخارجي، فيما دمرت غرف ومخازن الأدوات والمعدات الزراعية، شبكات الري الزراعية، موتورات المياه وبعض الآبار التي تروي تلك الأراضي. 

غير أن السمة الرئيسة التي ميزت هذا الاجتياح لمحافظة رفح، وربما لأول مرة منذ احتلال قطاع غزة، هو استخدام القوات الحربية الإسرائيلية المحتلة القوة المفرطة والعشوائية، وإطلاقها قذائف الدبابات وصواريخ الطائرات المروحية تجاه مسيرة سلمية من آلاف المدنيين، وارتكاب جريمة حرب راح ضحيتها أكثر من خمسين من المدنيين الأبرياء بين قتلى وجرحى.  وقد شكلت تلك الجريمة انتهاكاً سافراً لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، خاصة الحق في الحياة والأمن والسلامة الشخصية، ومبدأي التناسب والتمييز اللذين يجب أن يحكما مسألة لجوء القوات المحتلة إلى استخدام القوة ضد المدنيين العزل.[5] 

العملية الحربية واسعة النطاق التي نفذت على أرض محافظة رفح، وعلى مدار أسبوع، كانت تهدف، وفقاً لتصريحات المصادر المختلفة لسلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي، إلى تدمير الأنفاق التي تستخدم لتهريب الأسلحة، والتي تقع على الشريط الحدودي مع مصر.  غير أن ما جرى يؤكد على النية المسبقة لقوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي لتحقيق عدة أهداف، كان القادة السياسيون لحكومة الاحتلال وهيئة أركان جيشها قد أفصحوا عنها في أوقات سابقة ولاحقة للعملية الحربية وفي أكثر من مناسبة.  فالهدف الرئيسي لتلك العملية كان تدمير مئات المنازل التي يقطنها السكان المدنيون، والتي تقع على امتداد الشريط الحدودي مع جمهورية مصر العربية، وذلك لخلق “منطقة عازلة” تكرس سيطرة القوات المحتلة على الحدود المصرية الفلسطينية.[6]  كما أنها شكلت استكمالاً لحلقة من حلقات متعددة في سلسلة لمخطط شامل يجري تنفيذه في هذه المحافظة منذ بداية العام الأول لانتفاضة الأقصى، حيث دمرت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي حوالي 1300 منزل في المحافظة تدميراً كلياً، فيما تعرض أكثر من 2000 منزل لأضرار بالغة أصبح معظمها غير صالح للسكن.  ومن المتوقع أن يتم استئناف العمل لتنفيذ المزيد من عمليات الهدم والتدمير فيها.[7] 

محافظة رفح تعيش نكبة جديدة حقيقية، خاصة في ضوء تصاعد جرائم الحرب التي تنفذها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي فيها منذ بدء انتفاضة الأقصى في التاسع والعشرين من أيلول/ سبتمبر 2000 وحتى يومنا هذا.  إن ما يجري في هذه المحافظة هو أشبه بحالات التطهير العرقي، حيث تقوم القوات المحتلة بعمليات تهجير قسري جماعي، وتدمير شامل وممنهج للممتلكات والأعيان المدنية للسكان المدنيين، والبنية التحتية للمحافظة، ومحاربة السكان في وسائل رزقهم، وهو ما يوضح مباشرة سلطات الاحتلال الحربي الإسرائيلي تنفيذ عمليات ترانسفير جماعية للسكان الفلسطينيين المدنيين في تلك المنطقة.  إن ما يؤكد ذلك هو استمرار تلك السلطات في تنفيذ عمليات هدم وتدمير المنازل حتى بعد الاعلان الرسمي عن انتهاء عملية ” قوس قزح” الحربية.  فقد هدمت قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي عشرات المنازل بعد تاريخ 24/5/2004، كان أحدثها هدم 25 منزلاً، 23 منها دمرت كلياً و منزلين آخرين دمرا جزئياً، وذلك بتاريخ 30/5/2004.  الواقع المأساوي في محافظة رفح يشير إلى أن قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي دمرت خلال شهر آيار/ مايو من هذا العام 261 منزلاً تدميراً كلياً، وتركت 561 عائلة قوامها 3352 شخص من أصحابها بدون مأوى، فيما تعرض 271 منزل لعملية هدم جزئي خلفت أضراراً بالغة وجعلت معظمها غير صالح للسكن، وهو ما أثر على 687 عائلة، قوامها 4069 شخص.  كما بلغت الأراضي الزراعية التي جرفتها ودمرتها تلك القوات، منذ بدء انتفاضة الأقصى 3461 دونماً من الأراضي الزراعية، فضلاً عن تدمير مشاريع البنية التحتية للأحياء المختلفة للمحافظة، والمنشآت الاقتصادية والمرافق العامة كالمدارس والمساجد.   

 


 

للحصول على النسخة الكاملة من التقرير الرجاء الضغط هنا