طباعة

“إن اطلاق القدرات المجتمعية والطاقات الكامنة فيه مهمة أساسية للمجتمع المدني الذي يعد وجوده و فاعليته أحد أهم مؤشرات الديمقراطية.  وحتى يتمكن المجتمع المدني من القيام بالدور المنوط به فإنه يحتاج إلى بيئة قانونية غير مقيدة بل محفزة للعمل والإبداع… الشكل القائم للعلاقة بين المجتمع المدني والسلطة السياسية في القانون الفلسطيني غير صحي وغير صحيح، ويعطي مساحة واسعة جداً للوزارات والأجهزة الأمنية للتحكم في عمل ونشاطات المجتمع المدني… كمؤسسات حقوقية نعتبر أن اخضاع المؤسسات للفحص الأمني، وتعليق وجودها وعملها على تقارير صادرة عن الأجهزة الأمنية، يمثل تقويضاً لعملنا، وخاصة أن أحد مهامنا الأساسية الرقابة على ممارسات هذه الأجهزة لضمان التزامها بمبادئ الديمقراطية وسيادة القانون.”

(راجي الصوراني/المحامي)

 نسخة من التقرير (PDF)

 

ملخص تنفيذي

تواجه منظمات المجتمع المدني صعوبات متصاعدة في عملها في ظل مناخات تضييق الخناق، والقيود والعراقيل المفروضة عليها.  وفيما تواصل سلطات الاحتلال الاسرائيلي هجومها على مؤسسات المجتمع المدني، وخاصة مؤسسات حقوق الإنسان، لتقويض مصداقيتها وتجفيف منابع تمويلها، تنتهج الحكومة الفلسطينية ممارسات للسيطرة على هذه المؤسسات واعدام استقلالها، وخاصة بعد الانقسام الفلسطيني الذي حفز لمزيد من قمع الحريات والعمل المدني.  تشكل سياسات السلطة الفلسطينية تجاه منظمات المجتمع المدني تحديات متزايدة من خلال جملة من التشريعات والإجراءات التي تمس عملها وتهدد وجودها واستقلالها.  تتناول هذه الورقة القيود المالية الأخيرة على الشركات غير الربحية، كأحد مكونات المجتمع المدني، وما تمثله هذه القيود من انتهاك للحق في تشكيل الجمعيات، بما يعتبر تحدي جديد لقدرتها على القيام بعملها، وخلصت هذه الورقة إلى مجموعة من الاستنتاجات والمواقف كان ابرزها:

القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء بخصوص الشركات غير الربحية، هي أدوات مسيسة لتقويض استقلالية وفعالية هذه المؤسسات، وخاصة الحقوقية منها.  ويؤكد المركز رفضه الكامل لهذه القرارات، والتي تشمل: قرار مجلس الوزراء رقم (15/ 9/17/ م.و/ر.ح) لعام 2016 الصادر بتاريخ 21 ابريل 2016؛ قرار مجلس الوزراء رقم (8) لعام 2015 بنظام معدل لنظام الشركات غير الربحية رقم (3) لسنة 2010؛ قرار مجلس الوزراء رقم (7) لسنة ‏2015‏‏ بشأن الشركات غير الربحية؛ وقرار مجلس الوزراء رقم (3) لسنة 2010 بشأن نظام الشركات غير الربحية.

الإجراءات التي اقرها مجلس الوزراء للموافقة على اعطاء تصريح للشركة لاستقبال التمويل تعسفية، لا حاجة لها في ظل الرقابة المفروضة من جهات الممول، وخاصة عندما تكون جهات حكومية أجنبية أو مؤسسات مانحة عالمية بعيدة عن شبهات غسيل الأموال.  وأن الإجراءات المفروضة تحتاج إلى شهور في كل مرة لإتمامها، تخضع خلالها الشركة لشبه تحقيق وفحص أمني كامل، وتدخل سافر في عملها وإدارتها لمواردها، مما يعطل عمل الشركات غير الربحية ويعدم خصوصيتها وحريتها ففي ممارسة نشاطها.  ويرى المركز أن مثل هذه الإجراءات المعقدة يمكن أن تتبع كحالة استثنائية بقرار محكمة مختصة، كإجراء احترازي، إذا وجد ما يبرره ضد شركة ما، ولا يجوز بأي حال تطبيقه بشكل عام على الجميع.  ويعتبر المركز أن هذه الإجراءات هي بمثابة مساومة ضمنية للرضوخ وعدم مجابهة السياسات والممارسات الحكومية المناهضة لحقوق الإنسان.

يشدد المركز على أن القرارات والممارسات محل هذه الورقة تعتبر انتهاكاً صارخاً للمعايير الدولية للحق في تشكيل الجمعيات، وخاصة المادة (22) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والمادة (8) من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك تفسيرات هذه المعايير وأفضل الممارسات التي يكشف عنها المقررين الخاصين للحق في تشكيل الجمعيات التابعين لمجلس حقوق الإنسان. ولذا فإن المركز يطالب:

  1. السلطة الفلسطينية باحترام المواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، سيما تلك التي وقعت عليها، والتي تتضمن الحق في تشكيل الجمعيات، بما فيها الشركات غير الربحية، بما يضمن حريتها واستقلاليتها في ممارسة عملها وحقها في الحصول على التمويل دون قيود.
  2. مجلس الوزراء بإلغاء كل من: قرار مجلس الوزراء رقم (15/ 9/17/ م.و/ر.ح) لعام 2016 الصادر بتاريخ 21 ابريل 2016؛ قرار مجلس الوزراء رقم (8) لعام 2015 بنظام معدل لنظام الشركات غير الربحية رقم (3) لسنة 2010؛ قرار مجلس الوزراء رقم (7) لسنة ‏2015‏‏ بشأن الشركات غير الربحية؛ وقرار مجلس الوزراء رقم (3) لسنة 2010 بشأن نظام الشركات غير الربحية.
  3. يطالب الجهات التشريعية والتنفيذية بعدم سن أية قوانين أو اصدار أية قرارات تتعلق بالمجتمع المدني الا بالتشاور معه.

 

 

مقدمة

تخضع الشركات غير الربحية، وخاصة الحقوقية منها، لضغوط متزايدة في فلسطين، من خلال ممارسات تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيلي والجهات الحاكمة الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة.  تستهدف هذه الممارسات تقليص مساحة الحرية المتاحة لعمل هذه المؤسسات، وتحاول تقويض استقلاليتها وقدرتها على ممارسة دورها المنوط بها، وخاصة فيما يتعلق بفضح انتهاكات حقوق الإنسان وتعزيز سيادة القانون المحلي والدولي.  وكان آخر هذه الممارسات وأشدها تأثيراً، قرارات مجلس الوزراء الفلسطيني بإلزام الشركات غير الربحية بالحصول على موافقة المجلس في كل مرة يحتاجون فيها لاستقبال الأموال أو المنح.

تعتبر الشركات غير الربحية أحد صور تشكيل الجمعيات، حيث عرّفها المقرر الخاص بالحق في تشكيل الجمعيات بأنها “أية مجموعة من الأفراد أو أية كيانات قانونية تتحد من أجل العمل في أحد المجالات ذات المصلحة المشتركة أو التعبير عنه أو الترويج له أو متابعته أو الدفاع عنه على أساس جماعي.[1]  وبالتالي فقد تأخذ الجمعية[2] أي شكل من أشكال مؤسسات المجتمع المدني والتي تشمل المؤسسات الخيرية، المنظمات الأهلية، الجمعيات التعاونية، النقابات، الشركات غير ربحية، أو حتى الروابط العائلية.  وتتمتع كل صور المؤسسات غير الربحية بنفس الحقوق وفق المعايير الدولية، بغض النظر عن تسجيلها من عدمه والصورة التي شكلت بها والقانون الذي يحكمها.  وبالتالي يجب تمكين هذه المؤسسات من الحق في الوجود, ومن حرية ممارسة نشاطها، والاعتراف بحقها في الخصوصية، والسماح لها بالحصول على التمويل، بما فيه التمويل الأجنبي.

تمثل المؤسسات الحقوقية جزءاً هاماً من المجتمع المدني المناط به تعزيز حماية واحترام واعمال حقوق الإنسان.  ووجود هذه المؤسسات لا غنى عنه في أي مجتمع للتصدي لانحراف أصحاب السلطة بها، وذلك من خلال ادوات التقاضي والضغط والمناصرة.  ويعتبر التعاون الدولي في هذا المجال أمر مُلح لتمكين هذه المؤسسات من العمل بشكل فاعل، وذلك من خلال الحصول على الدعم الأجنبي والدولي، والحق في تبادل المعلومات والخبرات مع المؤسسات الدولية المختلفة، سيما أجسام الأمم المتحدة وغيرها من الاجسام التعاقدية الخاصة بالاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها دولة فلسطين.  وتعتبر الشركات غير الربحية أكثر الصور التي تناسب عمل المؤسسات الحقوقية والتخصصية نظراً لما يمثله هذا الشكل من تغليب الاعتبارات المهنية على غيرها من الاعتبارات.

شكًل انقسام السلطة الفلسطينية في العام 2007 انتكاسة لحالة حقوق الإنسان، وخاصة للحق في تشكيل الجمعيات.[3]  فقد عمل طرفا الانقسام في الضفة الغربية وقطاع غزة على تضييق الخناق على عمل الجمعيات، لأهداف سياسية وأيديولوجية أوجدتها حالة الانقسام.  وقد استخدم طرفا الانقسام وسائل القانون لتمرير الانتهاكات، من خلال إصدار لوائح وإجراء تعديلات على قوانين، في محاولة منهما لإضفاء شرعية على أعمالهما المصادرة للحق في تشكيل الجمعيات.  ويشكل استخدام الوسائل القانونية بهذه الطريق تدهوراً خطيراً لحالة النظام القانوني الفلسطيني وسيادة القانون، والذي ينذر بدوره بتدهور أشد خطورة على حالة حقوق وحريات المواطنين.

بات استهداف الشركات غير الربحية من خلال التحكم والتأثير على مصادر تمويلها من أبرز الانتهاكات التي تمارس ضد هذا النوع من الجمعيات العاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة، سواء من قبل الاحتلال الإسرائيلي أو من قبل السلطة الفلسطينية.  ويمارس الاحتلال الإسرائيلي ضغوطاً ضخمة على جهات التمويل الدولي لوقف الدعم المقدم لبعض المؤسسات الفلسطينية، وخاصة المؤسسات الحقوقية. وقد نجحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في أقناع بعض الجهات بوقف تمويل بعض المؤسسات، استناداً إلى حجج واهية.  ومن جهة أخرى، عملت السلطة الفلسطينية على استهداف تمويل الجمعيات من خلال فرض رقابة مبالغ فيها على قبول الهبات والتبرعات والمنح، وجعلها مشروطة بسلسلة من المصادقات الحكومية والأمنية، مما يُخضع هذه المؤسسات لنوع من المساومات الضمنية والتي تتناقض مع فكرة استقلالية الجمعيات في ممارسة نشاطها، وخاصة في حال المؤسسات الحقوقية والتي يتركز عملها في الاساس على انتقاد الممارسات السلطوية.

تنظم الشركات غير الربحية بقرارات صادرة عن مجلس الوزراء تستند إلى قوانين تسمح بتشكيل هذا النوع من المؤسسات غير الربحية.  وقد صدرت عدة قرارات عن مجلس الوزراء لتنظيم عمل الشركات غير الربحية، وبالرغم من أن القوانين والقرارات الصادرة عن الحكومة في الضفة الغربية لا تطبق فعليا في قطاع غزة، إلا أن هذه القوانين تسري على الجمعيات، بما فيها الشركات غير الربحية في قطاع غزة، وخاصة تلك التي لها فروع في الضفة الغربية.  كما لا تتمكن الشركة غير الربحية من فتح حساب بنكي واستقبال وتحويل الأموال منه، إلا بموافقة سلطة النقد، والتي لا تعتمد إلا القرارات والأوراق الصادرة من السلطات في الضفة الغربية.  وبالتالي، تخضع الشركات غير الربحية في قطاع غزة لكل من القرارات الصادرة في الضفة الغربية وكذلك الصادرة في قطاع غزة.[4]

تتناول هذه الورقة القيود المالية المفروضة على الشركات غير الربحية من قبل السلطة الفلسطينية في رام الله، وتعرض بالتحليل القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء بهذا الخصوص، ومدى التزامها بالمعايير الدولية، وذلك في ثلاثة محاور وهي: الحق في تشكيل الجمعيات، بما فيها الشركات غير الربحية وفق المعايير الدولية؛ التنظيم القانوني لحصول الشركات غير الربحية على الأموال والموارد؛ موقف المركز من القيود والإجراءات التي فرضتها قرارات مجلس الوزراء في ضوء المعايير الدولية.

 

المحور الأول: الحق في تشكيل الجمعيات بما فيها الشركات غير الربحية وفق المعايير الدولية

 

انضمت فلسطين إلى جملة من الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وذلك في العام 2014، ومنها العهدين الدوليين لحقوق الإنسان.  وبالتالي، باتت فلسطين ملزمة بتطبيق هذه الاتفاقيات، وتهيئة تشريعاتها وتعديل ممارساتها بالشكل الذي يتواءم مع الالتزامات الواردة فيها. وقد أكد العهدان الدوليان على الحق في تشكيل الجمعيات، وأقرا بأنه من الحقوق القابلة للتقييد، ولكن وفق شروط صارمة لا تفرغ الحق من مضمونه، وبما يمكن الجمعية من ممارسة عملها بحرية واستقلال، بما يتناسب مع مجتمع ديمقراطي.  فقد نصت المادة (22) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على:

 “1. لكل فرد حق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك حق إنشاء النقابات والانضمام إليها من أجل حماية مصالحه. 2. لا يجوز أن يوضع من القيود على ممارسة هذا الحق إلا تلك التي ينص عليها القانون وتشكل تدابير ضرورية، في مجتمع ديمقراطي، لصيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم. ولا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة ورجال الشرطة لقيود قانونية على ممارسة هذا الحق.”

 كما وأكدت المادة (8) من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على نفس المعنى، فيما يتعلق بالجمعيات المهنية والنقابات.

ومن النصوص السابقة يتضح أن الحق في تشكيل الجمعيات يجب أن يكون بدون تمييز بين مواطن وغير مواطن، أو أي شكل آخر من أشكال التمييز، حيث جاءت الفقرة الأولى من المادة (22) بعبارة “لكل فرد”.  والحق يشمل، كل من الانشاء والانضمام إلى الجمعيات.  أما الفقرة الثانية من المادة المذكورة فتتعلق بالحدود التي وضعتها الاتفاقية لجواز فرض قيود على حرية تشكيل الجمعيات، ونجد أن الاتفاقية وضعت عدة شروط وهي:

  1. أن تكون بنص قانوني صادر عن سلطة مختصة بالتشريع.
  2. أن تتواءم مع مجتمع ديمقراطي.
  3. أن تكون تدابير ضرورية لحماية أي من المصالح المشروعة التالي:
  • حقوق وحريات الآخرين.
  • الأمن القومي.
  • النظام العام.
  • الصحة العامة.
  • الآداب العامة.

وقد اعتمد مجلس حقوق الإنسان في اكتوبر 2010 قراراً أكد فيه على الحق في تشكيل الجمعيات، بصفتها عنصر جوهري لا غنى عنه في أية دولة ديمقراطية، وأنه لا يجوز فرض أية قيود عليها الا ما يفرضه القانون الدولي لحقوق الإنسان.[5]  وأنشأ القرار نفسه ولاية المقرر الخاص[6] المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات.  ومنذ ذلك الوقت عكف المقرران الخاصان بهذا الملف على اصدار تقارير، بعضها موضوعية، تناولت توضيح ماهية الحق في تشكيل الجمعيات وعملت على إبراز افضل الممارسات على مستوى العالم.[7]  وقد صدر تقرير موضوعي عن المقرر الخاص في العام 2012 [8] حدد فيه اربعة حقوق رئيسية تتعلق بالحق في تشكيل الجمعيات:

أولاً: الحق في تشكيل جمعية والانضمام إليها:  وهذا الحق مكفول للجميع سواء تمتعوا بجنسية الدولة أم كانوا أجانب، كما لا يجوز وضع قيود تتعلق بالسن على الحق في تشكيل الجمعيات.  وبالتالي يجوز للأطفال تشكيل جمعيات والانضمام إليها، شأنهم في ذلك شأن البالغين.  وبالمقابل أجازت الاتفاقية في الفقرة (2) من المادة (8) من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فرض قيود فيما يتعلق بحق أفراد القوات المسلحة في تشكيل الجمعيات والانضمام إليها. وفي نفس السياق، أكد المقرر الخاص على أن التسجيل يجب أن لا يكون شرطاً لممارسة نشاط الجمعية، وأن الحماية والحقوق يجب أن تكون متساوية للجمعيات المسجلة وغير المسجلة، واعتبر أن اشعار الجهات الحكومية بإنشاء الجمعية أجراء كاف للتسجيل. [9]

ثانياً: الحق في حرية العمل والحماية من التدخل غير المبرر: أكد المقرر الخاص على أن الجمعيات يجب أن تمارس نشاطها بحرية دون تدخل، واعتبر تهديد الجمعيات والعاملين فيها، أو استهدافهم المباشر بأعمال عنف أو تشويه سمعتهم لتقويض عملهم من الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان.  كما يجب أن تتمتع الجمعية بحرية التعبير والنشر وحرية عقد الاجتماعات السلمية. [10]

ثالثاً: الحق في الحصول على الأموال والموارد:  اعتبر المقرر الخاص الحق في الحصول على الأموال والموارد “جزء حيوي لا يتجزأ من الحق في تكوين الجمعيات”.[11]  ولا يجوز تقييد إدارة أو استخدام هذه الأموال، طالما كانت تستخدم في اعمال مشروعة غير مجرمة في دولة ديمقراطية.  وأكد المقرر الخاص أن الحق في الحصول على الاموال والموارد وتأمينها يجب أن يكون للجمعيات المحلية والأجنبية والدولية على قدم المساواة.  ويجب أن تسمح الدولة، وخاصة في الدول التي يكون فيها التمويل المحلي محدوداً جداً، أن تتاح “للمنظمات غير الحكومية الحصول على التمويل الأجنبي كجزء من التعاون الدولي، المخول للمجتمع المدني بنفس القدر المخول للحكومات.” [12]

 

رابعاً: الحق في المشاركة في تسيير الشؤون العامة: يؤكد المقرر الخاص أن للجمعيات الحق في المشاركة في إدارة الشأن العام، وذلك من خلال إشراكها في صنع القرارات المتعلقة بالشأن العام.  وشدد على وجوب مشاركة الجمعيات في صياغة أي قوانين أو قرارات تتعلق بتنظيم عملها.  ويعتبر المقرر أن أفضل الممارسات تلك التي “تسمح بالحوار الاجتماعي الحقيقي القائم على التفاوض المجدي.” [13]

المحور الثاني: التنظيم القانوني لحصول الشركات غير الربحية على الأموال والموارد:

 

يستند وجود الشركات غير الربحية في فلسطين إلى قانوني الشركات الساريان في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهما المادة (4) من قرار بقانون رقم (6) لسنة 2008م  بشأن تعديل قانون الشركات لسنة 1964 الساري في الضفة الغربية، والمادة (23) من قانون الشركات لسنة 1929 الساري في قطاع غزة.   وقد عملت الحكومة الفلسطينية على اصدار أنظمة وقرارات تتعلق بالشركات غير الربحية لتنظيم عملها بعد أن تم تعديل قانون الشركات الساري في الضفة الغربية.[14]  ولتلك الغاية، قام مجلس الوزراء بإصدار قرار رقم (3) لسنة 2010م بشأن نظام الشركات غير الربحية، والذي انتقده المركز في حينه لكونه ينتهك الحق في تشكيل الجمعيات، وخاصة الحق في الوجود، حيث جعل من تشكيل الشركات غير الربحية منحة من قبل مسجل الشركات، كما تضمن النظام قيوداً على حرية ممارسة النشاطات، وقرر حل الشركات غير الربحية لأسباب تعسفية.

وبدلاً من أن يتراجع مجلس الوزراء ويعيد تنظيم الشركات بما يتفق مع التزامات فلسطين الدولية المتعلقة بالحق في تشكيل الجمعيات، قام بإصدار قراراً آخراً ليعزز هذه القيود، وهو قرار مجلس الوزراء رقم (7) لسنة ‏2015‏‏ بشأن الشركات غير الربحية والذي بموجبه أخضع الشركات غير الربحية لقانون مكافحة الفساد رقم (1) لسنة 2005.  كما واصدر بعدها قرار مجلس الوزراء رقم (8) لعام 2015 بنظام معدل لنظام الشركات غير الربحية رقم (3) لسنة 2010، والذي عدل المادة (11) والمتعلقة بحق الشركات غير الربحية بالحصول على التمويل وأضاف فقرة جديدة نصت على: “يشترط الحصول على موافقة مسبقة من مجلس الوزراء لقبول الهبات والتبرعات والمعونات والتمويل وبيان الغاية منها.”

وفي اعقاب ذلك، قام مجلس الوزراء بإصدار قرار رقم (15/ 9/17/ م.و/ر.ح)  لعام 2016 الصادر بتاريخ 21 ابريل 2016، لتنظيم الإجراءات اللازمة لكي تتمكن الشركة غير الربحية من قبول الهبات والتبرعات والمنح والتمويل.  وقد قسم القرار عملية الموافقة على سبع مراحل، وهي: تقدم الجمعية بطلب الحصول على الموافقة المسبقة لاستقبال منحة؛ دراسة الطلب من قبل مراقب الشركات؛ قيام مراقب الشركات بإحالة الطلب إلى الوزير مشفوعاً برأيه؛ قيام مجلس الوزراء بفحص الطلب قبل عرضه على اجتماع مجلس الوزراء؛ تقوم الامانة العامة لمجلس الوزراء بإحالة القرار وزارة الاقتصاد؛ يقوم مراقب الشركات بتزويد سلطة النقد بقرار مجلس الوزراء؛ تتولى وزارة النقد الفلسطينية إبلاغ المصارف، فيما يلي عرض لهذه المراحل السبع:

أولاً: تقدم الشركة طلب الحصول على الموافقة المسبقة لاستقبال منحة: 

تحتاج الشركة لتقديم طلب للحصول على موافقة مجلس الوزراء في كل مرة تريد استقبال منحة أو منح كان مجموعها خلال عام أكثر من 100000$.  ويتم تقديم الطلب من خلال تعبئة نموذج مخصص لذلك معد من قبل مسجل الشركات.  وفي حال كان مجموع المنح المطلوب الموافقة عليها أقل من ذلك يتم اعفاء الشركة من الحصول على موافقة مجلس الوزراء، وذلك بناء على تنسيب مراقب الشركات.  وهذا الطرح يعني أن الشركة غير الربحية ستحتاج إلى تقديم طلب جديد في كل مرة تريد الحصول على قبول لاستقبال منحة جديدة، فإذا كانت المنحة أكثر من 100000$ تحتاج تقديم طلب لمجلس الوزراء للموافقة على قبول المنحة، وإن كانت أقل ستحتاج تقديم طلب لمسجل الشركات للإعفاء من الحصول على قبول المجلس، وإلا لن تتمكن الشركة من إيداع مبالغ أو استقبال منحة على حسابها.

ثانياً: دراسة الطلب من قبل مراقب الشركات واحالته للوزير:

 ورد في المادة الأولى من قرار مجلس الوزراء أن مراقب الشركات يتولى “دراسة الطلبات المقدمة إليه بالنظر إلى أوجه الصرف والتصرف بالهبات والتبرعات والمنح والتمويل التي تتطلب الموافقة على قبولها، بما ينسجم مع طبيعة أعمال الشركة غير الربحية ونظامها الداخلي المعتمد وأهدافها وغاياتها، وله في سبيل ذلك الاستعانة بأي جهة يراها مناسبة من الجهات الحكومية الأخرى، للتحقق من أعمال الشركة وبياناتها.”  وفق الواقع يعمل مسجل الشركات وبشكل دائم على إحالة الطلب إلى جهازي الأمن الوقائي والمخابرات العامة والوزارات المختصة ذات العلاقة بموضوعات المشاريع الممولة، لإعطاء توصياتهم الأمنية والمهنية بهذا الخصوص.  ولهذه الجهات طلب مقابلة ممثلي الشركة واخضاعهم لشبه تحقيق حول مصدر التمويل وأوجه صرفه.  كما ونصت الفقرة (3) من المادة الاولى نفسها على: “يجب على الشركات غير الربحية تزويد مراقب الشركات بأي وثائق أو بيانات يطلبها، للتأكد من أن أوجه انفاق الهبات والتبرعات والمنح والتمويل تنسجم مع أهداف وغايات الشركة  التي انشئت من أجلها.” والواقع العملي يؤكد أن لكل الجهات السابق ذكرها، وليس فقط مسجل الشركات، طلب ما تشاء من أوراق لكي تستطيع الشركة الحصول على موافقتها.

وبالرغم من أن الفقرة (2) من المادة الاولى قد الزمت مراقب الشركات بإحالة الطلب إلى وزير الاقتصاد مشفوعاً برأيه لقبول الطلب أو رفضه خلال مدة اقصاها سبعة أيام من تقديم الطلب، الا أن الواقع يخالف ذلك تماما.  ويؤكد المركز أن الفحص الأمني لدى جهازي الأمن الوقائي والمخابرات العامة، والحصول على موافقة الوزارات المختصة يتطلب في الحقيقة اسابيع بل شهور.  وغالباً ما  تخضع الشركة خلالها للاستدعاء سواء أمام الأجهزة الأمنية أو الوزارات المختصة، والتي يمكن أن تطلب ما تشاء من الأوراق.  وكثيراً من الاحيان يتم طلب معلومات وافية عن المشروع، والنشاطات التي ستنفذ، وعدد المنفذين ورواتبهم، بل أن الأمر يتعدى ذلك إلى التدخل في كيفية إدارة المال وتوزيع الموازنة داخل المؤسسة.  وقد تتطلب جهات الفحص اوراق تعجيزية، مثل أن تطلب العقود الخاصة بالتمويل، بدلاً من الاكتفاء بالمشروع، وبالتالي تضطر الشركة للانتظار حتى يتم توقيع العقود ومن ثم مباشرة إجراءات قبول المنحة من قبل مجلس الوزراء، مما يؤدي إلى تعطيل كبير في وصول الأموال، وصرف الاستحقاقات المالية.

ثالثاً: يقوم الوزير بإحالة الطلب إلى مجلس الوزراء:

بعد أن يحصل مراقب الشركات على تصديق الأجهزة الأمنية بالسلامة الأمنية، وأخذ موافقات الوزارات المختصة ذات العلاقة،  “يقوم المراقب بتنسيب الطلب إلي وزير الاقتصاد الوطني مشفوعاً برأيه لقبول الطلب أو رفضه”.  وبعدها يقوم الوزير بدراسة الملف ومن ثم يحيله مشفوعاً برأيه إلى مجلس الوزراء.  وبالعادة يأخذ هذا الأمر عدة أيام، نظراً لبطء العملية البيروقراطية في اروقة الوزارات.

 

رابعاً: قيام مجلس الوزراء بفحص الطلب قبل عرضه على اجتماع مجلس الوزراء:

 

يعمل مكتب فني خاص في مجلس الوزراء على فحص الطلبات التي تحال من قبل الوزير قبل عرضها على مجلس الوزراء. ويملك هذا المكتب الفني صلاحية مراجعة كافة التفاصيل والتأكد بنفسه من استكمال الاوراق تمهيداً لعرضها في أول جلسة للمجلس بعد الانتهاء من فحص الطلب من قبل المكتب الفني.   ويقوم بعدها مجلس الوزراء باتخاذ القرار الذي يراه مناسباً إما برفض أو قبول الطلب.  وهذا الإجراء قد يستغرق اسابيع في بعض الأحيان، نظراً للإجراءات البيروقراطية التي تتبع من قبل الجهات الحكومية.

خامساً: تقوم الامانة العامة لمجلس الوزراء بإحالة القرار إلى وزارة الاقتصاد:

تنص الفقرة (5) من المادة الأولى من قرار مجلس الوزراء على أن “تقوم الأمانة العامة لمجلس الوزراء بتزويد وزارة الاقتصاد الوطني بنسخة عن القرار فور صدوره”.  وبالرغم من أن هذا الإجراء لا يوجد فيه أي سلطة تقديرية تستلزم تأخر انجازه، إلا أن البيروقراطية في العمل الحكومي يمكن أن تستغرق معها هذه الإحالة عدة ايام.

سادساً: يقوم مراقب الشركات بتزويد سلطة النقد بقرار مجلس الوزراء:

تنص الفقرة (6) من المادة الأولى من قرار مجلس الوزراء “يقوم مراقب الشركات بتزويد سلطة النقد بقرار مجلس الوزراء الصادر بالخصوص.  وهذا الإجراء أيضاً روتيني، ومن المفترض أنه لا يحتاج وقت إلا أن الواقع يؤكد أن مثل هذا الإجراء قد يتطلب عدة أيام أخرى.

سابعاُ: تتولى وزارة النقد الفلسطينية إبلاغ المصارف:

وأخيرا وبموجب الفقرة (7) من نفس القرار فإن سلطة النقد الفلسطينية تتولى “إبلاغ المصارف العاملة في فلسطين بقرار مجلس الوزراء.”  وهذا إجراء جديد يحتاج هو الآخر عدة أيام لكي يتم تنفيذه. والحقيقة لا يوجد مبرر للنص على أن احتياج إبلاغ قرار مجلس الوزراء لسلطة النقد هذه السلسلة الطويلة من الإجراءات، ولماذا لم ينص مثلاً على أن تقوم الأمانة العامة لمجلس الوزراء بإبلاغ القرار فوراً إلى سلطة النقد.

يتضح من العرض السابق أن قرار مجلس الوزراء يحتاج من الشركة الدخول في سلسلة إجراءات طويلة يتخللها فحص أمني، وما يشبه التحقيق من قبل الأجهزة الأمنية والوزارات المختصة.  بل وقد رصد المركز اعتراض من قبل بعض الوزارات المختصة، والتي تطالب بمزيد من التشديد، حيث تريد من الشركات غير الربحية أخذ موافقتها على المشروع قبل تقديمه للمانح.  ويمثل هذا الطرح انتهاكاً صارخاً لحق المجتمع المدني في الاستقلال عن المجتمع السياسي، ومحاولة لجعل المجتمع المدني مجرد تابع للحكومة، تستخدمه لسد عجزها.

المحور الثالث: موقف المركز من القيود والإجراءات التي فرضتها قرارات مجلس الوزراء في ضوء المعايير الدولية

مثلت القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء فيما يتعلق بتنظيم الحق في تشكيل الشركات غير الربحية انتهاكاً صارخاً لهذا الحق حيث مست بالحقوق الأساسية الأربع له وهي: الحق في تشكيل الجمعيات والانضمام إليها، الحق في حرية العمل والحماية من التدخل غير المبرر، الحق في الحصول على الأموال والموارد، والحق في المشاركة في تسيير الشؤون العامة.  وقد حذر المقرر الخاص للحق في تشكيل الجمعيات من استخدام التشريعات القمعية “لتضييق الخناق على المعارضة، بإرساء بيئة قانونية معقدة تفرض شروطاً مرهقة على عمل منظمات وهيئات المجتمع المدني.  وبدعوى الشفافية، تلتزم الجمعيات بأنظمة معقدة وتقييدية وتنتهك الخصوصية للسماح لها بالعمل.  وتتضمن هذه القوانين في كثير من الأحيان أحكاماً تهدد الجمعيات بإلغاء تسجيلها أو فقدان صفتها القانونية، بل وملاحقتها جنائياً في حال عدم الامتثال.  ويؤدي ذلك إلى زعزعة استقرار الجمعيات وترهيبها بإثارة الغموض وزيادة العبء الإداري على مواصلة أنشطتها، بموازاة زرع الخوف من العمل في صفوف أعضائها.[15]  وأكد أيضاً أنه “لا يجوز استخدام المنح والحوافز والاعفاءات الضريبية كمبرر للتدخل الزائد في الشؤون الداخلية للجمعيات.” [16]

جاءت قرارات مجلس الوزراء خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة كتتويج لسلسلة من الاجراءات والأنظمة التعسفية ضد الجمعيات بصفة عامة، والشركات غير الربحية بصفة خاصة.  وتتناول هذه الورقة الإجراءات المالية ضد الشركات غير الربحية والتي تعصف باستقلالية هذا الجزء المهم من المجتمع المدني، والذي يمثل بالعادة المؤسسات التي تحتاج خبرات وتقنيات عالية في العمل مثل مؤسسات حقوق الإنسان.  وبطبيعة الحال يعتبر اخضاع هذا النوع من المؤسسات لمثل هذه القيود تقويض فعلي لعملها والذي يتسم بالعادة بنوع من المواجهة مع السلطات، وبالتالي، كيف يمكن أن تمارس هذه المؤسسات دورها في نقد السلطات وفضح انتهاكاتها في الوقت الذي يخضع مصدر تمويلها لقرار من السلطات محل المتابعة والنقد.

وقد تبين من العرض السابق التعقيدات غير المبررة التي أقرها مجلس الوزراء على الشركات غير الربحية للحصول على التمويل سواء من الجهات المحلية أو الاجنبية، والذي بموجبه تحتاج الشركة لشهور لكي تتمكن من تحويل أو إيداع التمويل في حسابها البنكي.  ولهذه التعقيدات تبعات على سير العمل داخل الشركات غير ربحية، حيث تتسبب في تعطيل صرف المستحقات المالية الخاصة للمؤسسة، وقد يتسبب في تأخير النشاطات والفعاليات التي تقوم بها المؤسسة.  كما تعتبر هذه التعديلات أداة للتدخل من قبل الجهات الحكومية والأمنية في عمل الشركات غير الربحية، يصل إلى حد التدخل في طبيعة النشاطات وكيفية تنفيذها ورواتب القائمين عليها، وكل التفاصيل الأخرى الدقيقة.  ويبرر مجلس الوزراء تدخله في عمل الشركات غير الربحية والجمعيات بصفة عامة بحجج مكافحة الإرهاب والفساد. وقد عبر المقرر الخاص للحق في تشكيل الجمعيات عن تخوفه من مثل هذه الإجراءات وذكر في أحد تقاريره: “قد تؤثر القيود المفروضة على التمويل، بما فيها المفروضة على التمويل الأجنبي، تأثيراً كبيراً في الجمعيات التي تروج لقضايا لا تحظى بشعبية أو دعم الدولة او اغلبية السكان، بما فيها القضايا المتصلة بالنهوض بحقوق الفئات المهمشة.”[17]

 وجدير بالذكر أن الشركات غير الربحية تخضع لرقابة صارمة من الممولين، كما تخضع لرقابة مراقب الشركات والذي يتسلم كل عام التقارير الإدارية والمالية المدققة من قبل جهات معتمدة.  ويتضح من ذلك أن الهدف الخاص بمكافحة الفساد ليس واقعياً، حيث لا تضيف الإجراءات المستحدثة أي جديد للإجراءات الموجودة أصلاً.   وبالتالي، لو كان الهدف بالأساس مكافحة غسيل الأموال ودعم الإرهاب، فحينها لا يمكن الحديث عن إجراءات عامة تشمل الجميع في جريمتين بتلك الخطورة، بل يجب أن تقتصر الإجراءات حينها على الجمعيات المثيرة للشبهة وبقرار قضائي احترازي، على سبيل المثال. أما اخضاع الجميع لنفس الإجراءات المعقدة، وفي كل مرة يتم الحصول فيها على التمويل، يعتبر أمر تعسفي، وخاصة عندما يكون الممول جهات موثوقة، كحكومات ومؤسسات دولية معروفة، والمؤسسة المستهدفة بالإجراءات مؤسسة عريقة ومعلومة النشاط.

وقد اعتبر المقرر الخاص للحق في تشكيل الجمعيات أن اشتراط حصول الجمعية على إذن من السلطات لكي تتمكن من استقبال التمويل الأجنبي من العقبات غير المبررة.[18] وفي الوقت الذي أكد فيه على مسؤولية الدولة في  التصدي لغسيل الأموال والإرهاب، إلا أنه أكد بأنه لا ينبغي أبداً التذرع بذلك لتقويض مصداقية الجمعية المعنية أو عرقلة عملها المشروع دون مبرر.” [19] ووجه  المقرر انتقادات لبعض الدول لأنها تستلزم من “الجمعيات الحصول على إذن من الحكومة لتلقي التمويل الأجنبي، والحصول على التمويل الأجنبي دون إذن يعتبر جريمة.”[20]  أو لتعاملها “بشكل قاسي (مع الجمعيات)، تحت ذرائع قانون مكافحة الإرهاب، وحظر تمويل المنظمات الإرهابية.”[21]

وفي هذا السياق يؤكد المقرر الخاص في أحد التقارير الصادرة عنه “إن قدرة الجمعيات على الحصول على الأموال والموارد هي جزء حيوي لا يتجرأ من الحق في تكوين الجمعيات.”[22] وإن “البحث عن الموارد والحصول عليها واستخدامها – سواء كانت من مصادر محلية أو أجنبية أو دولية- أمر ضروري لوجود أي جمعية وقيامها بعملياتها على نحو فعال، مهما كانت صغيرة.  وأي قيود تفرض بلا ضرورة تعد انتهاكاً واضحاً للحق في حرية تكوين الجمعيات.” [23] وأكد على أن الحكومات يتعين عليها أن تتيح للمنظمات غير الحكومية امكانية الحصول على التمويل الأجنبي كجزء من التعاون الدولي، المخول للمجتمع المدني بنفس القدر المخول للحكومات.” [24]

ولذا، فإن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يرفض بشكل قاطع الاجراءات التي استحدثها مجلس الوزراء للرقابة على الشركات غير الربحية، والتي استهدفت حق هذه المؤسسات في الحصول على التمويل، وجعل دخول المال لهذه المؤسسات مرهوناً بموافقة مجلس الوزراء، وفق إجراءات معقدة وطويلة تستغرق شهوراً لإتمامها.  ويعتبر المركز أن الاستمرار في تطبيق هذه القرارات رغم الوعود بإعادة النظر فيها، هو بمثابة امعان في تقويض مؤسسات المجتمع المدني، سيما المؤسسات الحقوقية، وتمثل نوع من الابتزاز الممنهج لتغييب أي صوت ينتقد بشكل مهني وعلمي الممارسات والسياسيات الحكومية المناهضة لحقوق الإنسان.

——————————

[1] الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان، الدورة العشرون، تقرير المقرر الخاص بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي A/HRC/20/27))

[2] في القانون والعرف الفلسطيني يطلق مسمى جمعية على المؤسسات غير الربحية التي ينظمها قانون الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية لسنة 2000.

[3] حدث انقسام السلطة الفلسطينية في يونيو 2007، بعد حصول حركة حماس على أغلبية كبيرة في المجلس التشريعي، في انتخابات العام 2006، أهلتهما لتشكيل الحكومة.  وقد تبع ذلك خلافات بين حركتي حماس وفتح، تطورت إلى نزاعات واشتباكات مسلحة أشترك فيها أجهزة السلطة الأمنية ومناصري حركتي حماس وفتح.  تمخضت هذه النزاعات المسلحة عن سيطرة حركة حماس على مقرات السلطة الفلسطينية في غزة، وترتب على ذلك قيام حكومتان وسلطتان قضائيتان وجهتا تشريع منفصلتان في كل من الضفة الغربية و قطاع غزة.

[4] أصدر مجلس الوزراء للحكومة المقالة في غزة قرار رقم (412) لسنة 2011 بشان نظام الشركات غير الربحية، وهو يضع تنظيم أسوأ من الوارد في القرار الصادر في الضفة الغربية بنفس الخصوص.  لمزيد من المعلومات، يمكن مراجعة تقرير المركز الفلسطيني  بعنوان “تأثير انقسام السلطة الفلسطينية على دور الجمعيات وتنظيمها القانوني”، (2013) <http://www.pchrgaza.org/files/2013/affection2013.pdf>

[5] الأمم المتحدة، مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات < https://www.ohchr.org/ar/issues/assemblyassociation/pages/srfreedomassemblyassociationindex.aspx >

[6] “المقرر الخاص خبير مستقل يعينه مجلس حقوق الإنسان لكي يبحث وضعاً قطرياً أو موضوع حقوق إنسان محدداً ويقدم تقريراً عنه إلى المجلس. وهذا المنصب منصب شرفي والخبير ليس موظفاً لدى الأمم المتحدة ولا يتقاضى أجراً عن عمله. والمقررون الخاصون جزء من الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان.” تعريف من الموقع الإلكتروني لمكتب المفوض السامي، لمزيد من التفاصيل: <https://www.ohchr.org/ar/issues/assemblyassociation/pages/srfreedomassemblyassociationindex.aspx>

[7] الأمم المتحدة، مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات < https://www.ohchr.org/ar/issues/assemblyassociation/pages/srfreedomassemblyassociationindex.aspx >

[8] الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان، الدورة العشرون، تقرير المقرر الخاص بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي A/HRC/20/27))

[9] الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان، الدورة العشرون، تقرير المقرر الخاص بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي A/HRC/20/27))

[10] الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان، الدورة العشرون، تقرير المقرر الخاص بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي A/HRC/20/27))

[11] الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان، الدورة العشرون، تقرير المقرر الخاص بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي A/HRC/20/27))

[12] الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان، الدورة العشرون، تقرير المقرر الخاص بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي A/HRC/20/27))

[13] الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان، الدورة العشرون، تقرير المقرر الخاص بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي A/HRC/20/27))

[14] قبل تعديل هذا القانون لم يكن هناك أي نص يسمح بتشكيل شركات غير ربحية في الضفة الغربية على خلاف قطاع غزة، والذي نظم قانون الشركات الساري فيها الشركات غير الربحية منذ العالم 1929،  من خلال المادة (23) منه.

[15] الأمم المتحدة، الجمعية العامة، الدورة الثامنة والثلاثون، تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، (A/HRC/38/34)

[16] الأمم المتحدة، الجمعية العامة، الدورة السبعون، الحق في حرية التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات، (2015)، A/70/266

[17] الأمم المتحدة، الجمعية العامة، الدورة السادسة والعشرون، تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، ماينا كياي، (A/HRC/26/29)

[18] الأمم المتحدة، الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان، الدورة العشرون، تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي، مايو 2012، A/HRC/20/27

[19] الأمم المتحدة، الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان، الدورة العشرون، تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي، مايو 2012، A/HRC/20/27

[20] الأمم المتحدة، الجمعية العامة، الدورة السبعون، الحق في حرية التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات، (2015)، A/70/266

[21] الأمم المتحدة، الجمعية العامة، الدورة السبعون، الحق في حرية التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات، (2015)، A/70/266

[22] الأمم المتحدة، الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان، الدورة العشرون، تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي، مايو 2012، A/HRC/20/27

[23] الأمم المتحدة، الجمعية العامة، الدورة السبعون، الحق في حرية التجمع السلمي وفي تكوين الجمعيات، (2015)، A/70/266

[24] الأمم المتحدة، الجمعية العامة، مجلس حقوق الإنسان، الدورة العشرون، تقرير المقرر الخاص المعني بالحق في حرية التجمع السلمي والحق في حرية تكوين الجمعيات، ماينا كياي، مايو 2012، A/HRC/20/27