طباعة
المرجع: 80/2019

 

تشهد قرية العيساوية، شمال شرقي مدينة القدس المحتلة، منذ ساعات مساء يوم الخميس الموافق 27/6/2019، سلسلة من الانتهاكات الجسيمة التي اقترفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق السكان المدنيين. وأسفرت تلك الانتهاكات عن مقتل مدني فلسطيني، وإصابة (35) مدنياً آخرين، واعتقال (19) مدنياً، بينهم (3) أطفال، وتعريضهم للتعذيب أثناء اعتقالهم، ونقلهم إلى مراكز التحقيق. المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يدين بشدة تلك الإجراءات، ويؤكد على أنها تندرج في إطار تطبيق سياسة العقاب الجماعي المحرّمة وفق قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويطالب المجتمع الدولي بالعمل على توفير الحماية للمدنيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، بشكل عام، وفي مدينة القدس الشرقية المحتلة، بشكل خاص، وضمان تطبيق إجراءاتها.

 

واستناداً لتحقيقات المركز، كان تسلسل الأحداث على النحو التالي:

 

في حوالي الساعة 9:00 مساء يوم الخميس الموافق 27/6/2019، أطلق شرطي إسرائيلي النار تجاه المواطن محمد سمير محمد عبيد، 21 عاماً، خلال مواجهات اندلعت بين عشرات الشبان الفلسطينيين وقوات الاحتلال الإسرائيلي في قرية العيساوية، إثر قيام الاخيرة بقمع وقفة احتجاجية نظمهما أهالي القرية عند مدخلها الشمالي. أسفر ذلك عن إصابة المواطن عبيد بثلاثة أعيرة نارية في الصدر والأطراف، ما استدعى نقله الى مستشفى (هداسا -عين كارم) حيث أعلنت الطواقم الطبية عن وفاته بعد دقائق قليلة من وصوله.

 

ووفق تحقيقات المركز، وما أفاد به شهود العيان لباحثته في المدينة المحتلة، ففي حوالي الساعة 6:30 مساء اليوم المذكور، نظم العشرات من أهالي قرية العيساوية وقفة احتجاجية عند مدخل القرية الشمالي، استنكارًا لسياسة العنف والعقاب الجماعي التي تنتهجها قوات الاحتلال بحقهم، وضد الاقتحامات اليومية لجيش وشرطة الاحتلال، وللتنديد بإخطارات الهدم والإخلاء لأراضي المواطنين في القرية لصالح إقامة حديقة تلموديه. حاصرت قوات الاحتلال محيط الوقفة الاحتجاجية، وقامت بتفريق المشاركين فيها بالقوة، وعلى إثرها اندلعت مواجهات بين العشرات من شبان البلدة وجنود الاحتلال، امتدت الى” حارة عبيد”، القريبة من مدخلها الشمالي. رشق المتظاهرون جنود الاحتلال بالحجارة والزجاجات الفارغة، وأطلقوا الألعاب النارية تجاههم. وعلى الفور رد جنود الاحتلال بإطلاق الأعيرة النارية بكثافة في المكان، ما أدى لإصابة (3) شبان بالأعيرة النارية، من بينهم الشاب محمد سمير عبيد، حيث أصيب بثلاث رصاصات، أصابت إحداها قلبه. وعند محاولة العديد من الشبان إسعافه، ونقله بواسطة مركبة خاصة لتلقي العلاج، اقتحمت قوات الاحتلال القرية بأعداد كبيرة، وأغلقت طرقها وأزقتها، وتمكنت من احتجازه وهو في وضع حرج، ثم نقلته الى مستشفى (هداسا -عين كارم)، حيث أعلن الأطباء عن وفاته في حوالي الساعة 9:30 مساء اليوم نفسه. وأفاد الناشط في قرية العيساوية، عمر عطية، وهو أحد شهود العيان على إصابة الشاب عبيد، لباحثة المركز بما يلي:

 

{{بعد انتهاء صلاة المغرب في المسجد، وخلال وجودي برفقة مجموعة من أهالي البلدة، تواجدت شرطة في المكان، وخلال محاولتنا التوجه إليها لمعرفة ما يجري، أشهر أحد أفراد الشرطة مسدسه، وقام بإطلاق ثلاث رصاصات تجاه الشاب محمد سمير عبيد، ثم سمعت أصوات صراخ الشبان من كل الاتجاهات، وخلال ذلك شعرت بضربة على وجهي ثم شعرت بالدماء التي تسيل من رأسي… بعد اصابة الشاب عبيد، تمكن الشبان من تخليصه من جنود الاحتلال، وانطلقوا بمركبة خاصة لنقله للعلاج، لكن قوات الاحتلال اقتحمت البلدة بأعداد كبيرة وأغلقت طرقها وأزقتها، وتمكنت من اختطاف الشاب الذي كان ينزف. أشير إلى أن مطلق النار على الشاب عبيد هو أحد أفراد الشرطة، وكان يبعد عنه أمتاراً قليلة}}.

 

وعقب إعلان الطواقم الطبية في مستشفى هداسا العيساوية عن وفاة الشاب عبيد، اعتدت قوات الاحتلال على الشبان والمرضى داخل قسم الطوارئ في المستشفى، ومنعت عائلته من دخول غرفة الطوارئ في محاولة للسؤال عن نجلها ومعرفة وضعه، وتم إخراج جثمانه من أبواب وغرف المستشفى الخلفية، وسط اغلاق كامل لمحيطه. هذا وسادت حالة من الغضب في القرية عقب الإعلان عن وفاة الشاب محمد عبيد، وانتفضت عدة أحياء وبلدات في مدينة القدس ردا على مقتله، حيث شهدت أحياؤها مواجهات متفرقة، وألقى الشبان الزجاجات الحارقة والمفرقعات باتجاه البؤر الاستيطانية والجنود الذين انتشروا بأعداد كبيرة في أحياء المدينة المحتلة. ردّ جنود الاحتلال بإطلاق الأعيرة المعدنية المغلفة بطبقة رقيقة من المطاط، والقنابل الصوتية، وقنابل الغاز تجاه المشاركين في المظاهرات لتفريقهم، ما أسفر عن إصابة (20) متظاهراً بالأعيرة المعدنية، وحالات اختناق شديد بالغاز، وفق ما أفادت به جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.

 

وعقب انتهاء صلاة ظهر يوم الجمعة الموافق 28/6/2019، تجمهر المئات من المواطنين الفلسطينيين في محيط مسجد الأربعين، وسط قرية العيساوية، وانطلقوا بمسيرة جابت شوارع القرية، احتجاجا على مقتل الشاب عبيد، ولمطالبة سلطات الاحتلال بتسليم جثمانه. أثناء ذلك اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي القرية، وانتشر المئات من أفرادها في شوارعها وأزقتها، وشرعوا بإطلاق الأعيرة المعدنية المغلفة بطبقة رقيقة من المطاط، والقنابل الصوتية، وقنابل الغاز تجاه المشاركين في المسيرة لتفريقهم. شرع الشبّان برشق الحجارة والزجاجات، وإطلاق الألعاب النارية تجاه الجنود الذين استمروا بإطلاق الأعيرة المعدنية بكثافة، ما أسفر عن إصابة (13) متظاهراً على الأقل بالأعيرة المعدنية في الوجه، والأطراف السفلية والعلوية، وإصابة العشرات بجروح وكسور ورضوض حسب ما أفاد به شهود العيان. كما واعتقلت قوات الاحتلال المواطنين سائد أسامة داري، 19 عاماً؛ وجمال محمد داري، 22 عاماً، من أمام منزليهما دون سبب، واحتجزتهما داخل مقبرة القرية، ثم اقتادتهما لأحد مراكز التحقيق.

 

وخلال ساعات فجر يوم السبت الموافق 29/6/2019، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي بإعداد كبيرة القرية، وشنت حملة اعتقالات واسعة، طالت (17) من أبنائها، بينهم (3) أطفال، وسط اجراءات قمعية، حيث اعتدت على معظم المعتقلين بالضرب المبرح. وأفادت المحامية رزان الجعبة أنها لاحظت خلال زيارتها للمعتقلين في مراكز التحقيق تعرض معظمهم للضرب والدفع خلال الاعتقال والاحتجاز بمركبات الشرطة، وداخل مراكز التوقيف، حيث بدت على المعتقلين علامات التعذيب، كما قامت بتقييد أيديهم بالقيود البلاستيكية، أو الحديدية مع تضييق القيود، وإحكام عصب أعنيهم، ومنعت بعضهم من ارتداء ملابسهم خلال اعتقالهم. وأشارت إلى أنه تم نقل المعتقلين إلى مركز شرطة “البريد” في شارع صلاح الدين، وسط مدينة القدس الشرقية المحتلة، ومركز “المسكوبية” في القدس الغربية.

 

المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان يتابع بقلق عميق تدهور الأوضاع في الأرض الفلسطينية المحتلة، وينظر بخطورة بالغة، إلى استخدام القوة المميتة ضد مدنيين عزل، مشاركين في تظاهرات سلمية غير عنفية، بما بخالف معايير القانون الدولي الإنساني. وإذ يدين المركز استخدام قوات الاحتلال للقوة المفرطة والمميتة غير المتناسبة ضد المتظاهرين، فإنه يرى أنها نتيجة الضوء الأخضر للاحتلال منذ القرار الأمريكي بإعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل سفارة الولايات المتحدة إليها.

 

وبناءً على ما تقدم، يدعو المركز المجتمع الدولي والهيئات الأممية للتدخل لوقف جرائم الاحتلال وانتهاكاته المتصاعدة، والعمل على توفير حماية دولية للفلسطينيين في الأرض المحتلة. ويجدد مطالبته للأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقية جنيف الرابعة الوفاء بالتزاماتها الواردة في المادة الأولى من الاتفاقية والتي تتعهد بموجبها بأن تحترم الاتفاقية وأن تكفل احترامها في جميع الأحوال، كذلك التزاماتها الواردة في المادة 146 من الاتفاقية بملاحقة المتهمين باقتراف مخالفات جسيمة للاتفاقية، علماً بأن هذه الانتهاكات تعد جرائم حرب وفقاً للمادة 147 من اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين وبموجب البروتوكول الإضافي الأول للاتفاقية في ضمان حق الحماية للمدنيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.