طباعة
مقدمـــة

واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي انتهاكاتها الممنهجة ضد الطواقم الصحفية ووسائل الإعلام الوطنية والعالمية العاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة، التي تقوم بتغطية الأحداث والانتهاكات الاسرائيلية.  وعلى الرغم من الحماية التي يتمتع بها الصحفيون والعاملون في وكالات الأنباء[1]، بصفتهم مدنيين، وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، إلا أن تلك القوات لا تزال تصعد من انتهاكاتها الجسيمة بحقهم، بما في ذلك تهديد السلامة الشخصية لهم ولمعداتهم، من خلال استهدافهم بالرصاص الحي والمطاطي، ضمن حملة منظمة لعزل الأرض الفلسطينية المحتلة عن باقي أرجاء العالم، وللتغطية على ما تقترفه من جرائم بحق المدنيين.[2]

 

يتناول هذا التقرير وهو الحادي والعشرون في سلسلة تقارير “إخراس الصحافة”، ويغطي الفترة الممتدة من 1 مايو 2018 حتى 30 أبريل 2019، اعتداءات قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على الطواقم الصحفية ووسائل الإعلام العاملة في الفلسطينية المحتلة، ويتضمن توثيقاً مفصلاً لما تمكن طاقم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من الوصول إليه من معلومات ذات صلة.   وتكشف هذه المعلومات حقائق عن تلك الاعتداءات، وهي مبنية على إفادات ضحايا وشهود عيان وتحقيقات ميدانية.

 

ووثق المركز ارتفاعاً في حجم الانتهاكات المقترفة بحق الصحفيين في الأرض الفلسطينية المحتلة خلال الفترة التي يغطيها التقرير، مقارنة بحجم الانتهاكات التي اقترفت العام الماضي.  فقد وثق المركز ما مجمله (207) انتهاكات خلال ذات الأجل، مقابل (149) انتهاكاً، تضمنها التقرير السابق.  وشملت الانتهاكات التي وثقها المركز العام الحالي، جرائم إطلاق النار على الصحفيين وإيقاع الأذى في صفوفهم؛ الاعتداءات بالضرب والإهانة والمنع من التصوير وتغطية الأحداث؛ الاحتجاز والاعتقال والمحاكمة على خلفية العمل الصحفي والإعلامي؛ مداهمة وتدمير وإغلاق وحظر مؤسسات إعلامية وثقافية دعوى التحريض على قوات الاحتلال؛ إبعاد صحفيين وناشطين في مجال الدفاع عن حقوق الانسان بدعوى التحريض على الارهاب؛ ومنع طباعة صحف.

 

وبرز خلال الفترة التي يغطيها التقرير، على نحوٍ خاص، استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي للصحفيين الذين يغطون المظاهرات السلمية على طول الحدود الشرقية والشمالية لقطاع غزة، ضمن فعاليات “مسيرات العودة وكسر الحصار” التي نظمت ابتداءً من تاريخ 30 مارس 2018، ولا تزال مستمرة حتى لحظة إعداد التقرير.

 

ومنذ تاريخ 30 مارس 2018، نظم الفلسطينيون مسيرات شعبية شارك فيها مئات الآلاف من المواطنين، في خمس نقاط حدودية، شرق المحافظات الخمس للقطاع.  وقوبلت هذه المسيرات السلمية، منذ اليوم الأول، باستخدام القوة المفرطة وغير المتناسبة من قبل قوات الاحتلال بحق المدنيين الذين لم يشكلوا أي خطر على جنودها، الذي يتحصن خلفه عشرات القناصة.   وبلغ عدد القتلى خلال هذه المسيرات (200) فلسطينياً، بينهم (35) طفلاً، وامرأة واحدة.  وكان من بين القتلى (2) من الصحفيين، و(3) أشخاص من أفراد الطواقم الطبية، و(8) من الأشخاص ذوي الإعاقة.  كما أصيب خلال هذه الأحداث (10066) شخصاً، بينهم (1832) طفلاً، و(292) امرأة.  وكان من بين اجمالي المصابين، (134) صحفياً وعاملاً في وسائل الإعلام، و(155) من أفراد الطواقم الطبية.  وكان من بين اجمالي الجرحى (513) شخصاً في حالة خطيرة، (101) منهم بترت أجزاء من أجسادهم، من بينهم (17) طفلاً، ومنهم (89) حالة بتر في الأطراف السفلية، و(12) حالة بتر في الاطراف العلوية.

 

ولم يسلم الصحفيون من استهداف قوات الاحتلال منذ اليوم الأول، على الرغم من وجود كل الشارات المميزة التي تؤكد على طبيعية عملهم، بل وتعمد قناصة الاحتلال توجيه الإصابة إلى المنطقة العليا من الجسد، في كثير من الأحيان، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن جنود الاحتلال لديهم أوامر او على الأقل تصريح بإيقاع خسائر بشرية وردع الصحفيين من تغطية هذه الجرائم. وخلال الشهر الأول من انطلاق مسيرات العودة، قتل صحفيان، وأصيب 30 آخرين، بينهم صحفي بترت ساقه.

 

واستمر تصاعد استخدام القوة المفرطة ضد المشاركين في التظاهرات السلمية التي تنظم أسبوعياً، عصر كل يوم جمعة، على الرغم من سلميتها في مجملها، وأسفرت عن مقتل وإصابة آلاف المدنيين.  وفي ذات السياق، استمرت تلك القوات في استهداف الصحفيين، على مدار العام، حيث وثق المركز (106) إصابات في صفوف الصحفيين، من بينهم إصابات في حال الخطر، بعضهم بترت أعضاء من جسده.

 

وفي ضوء تصاعد تلك الانتهاكات، أصدر مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة بتاريخ 18 مايو 2018، قراراً بتشكيل لجنة دولية مستقلة للتحقيق على وجه السرعة في جميع الانتهاكات والتجاوزات المزعومة للقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية وقطاع غزة المحتل. وأكد التقرير[3] ما خلصت له منظمات حقوق الإنسان باستخدام قوات الاحتلال الإسرائيلي القوة المميتة باتجاه المتظاهرين في حالات لم ينشأ عنها أي خطر محدق على حياة جنود الاحتلال، ودون أن يشارك المتظاهرون في أعمال عدائية بشكل مباشر، وذلك خلافاً لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان.

 

وبرز خلال العام قصف قوات الاحتلال مبنى فضائية الأقصى في مدينة غزة، وتدميرها بالكامل، وهي ليست المرة الأولى التي يتم فيها قصف مقرات إعلامية وتدميرها، بما فيها تدمير فضائية الأقصى ذاتها أكثر من مرة.  وأكثر من ذلك، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فضائية الأقصى “منظمة إرهابية”.  ونشر نتنياهو في صفحته على موقع تويتر يوم الأربعاء الموافق 6 مارس 2019، تغريدة ورد فيها:” وقع رئيس الوزراء ووزير الدفاع نتنياهو على مرسوم يعلن قناة الأقصى الفضائية التابعة لحماس تنظيماً إرهابياً وذلك بسبب استخدام حماس لتلك القناة من أجل تجنيد الإرهابيين إلى صفوفها.” وأدان المركز هذا القرار، واعتبر أنه يمكن أن يكون مقدمة لاستهداف الصحفيين والمؤسسات الصحفية والإعلامية والعاملين فيها. كما وثق تدمير وقصف مبنى المسحال الثقافي في مدينة غزة.

 

وعلاوة على استهداف الصحفيين في مسيرات العودة، وثق المركز المزيد من الاعتداءات على الصحفيين في الضفة الغربية، بهدف منع وسائل الإعلام من تغطية ونشر ما تقترفه قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي من جرائم بحق المدنيين في الأرض الفلسطينية المحتلة.  وقد وقعت تلك الاعتداءات في سياق عمل الصحفيين المهني بتغطية ما يدور من أحداث على أرض الواقع ونقلها للعالم، بما في ذلك تغطيتهم للمسيرات السلمية التي يشارك فيها المدنيون الفلسطينيون والمتضامنون الدوليون من المدافعين عن حقوق الإنسان احتجاجاً على مصادرة أراضي المواطنين الفلسطينيين في قرى ومدن الضفة الغربية المحتلة لصالح إقامة جدار الضم أو توسيع المستوطنات، أو ما يدور من أحداث أخرى في مختلف المناطق، كحوادث إطلاق النار، واغلاق الطرقات، والقصف الاسرائيلي، وهدم المساكن وغير ذلك من انتهاكات يومية.

 

وشملت هذه الانتهاكات جرائم الاعتداء على السلامة الشخصية للصحفيين، بما في ذلك الضرب والدفع ومضايقتهم، وإطلاق قنابل الغاز المسيلة للدموع تجاههم، وإطلاق النار عليهم وإيقاع إصابات في صفوفهم؛ منع صحفيين من التصوير وتغطية الأحداث؛ مداهمة مقار ومؤسسات إعلامية وتفتيشها، أو إغلاقها، أو حظرها؛ مداهمة منازل صحفيين؛ إبعاد عاملين في الحقل الإعلامي وناشطي حقوق إنسان؛ ومنع طباعة صحف.

 

وبرز خلال الفترة التي يغطيها التقرير، استمرار اعتقال واحتجاز العشرات من الصحفيين في الضفة الغربية، بينهم عدد لا يزال رهن الاعتقال، منهم من حكم فعلياً، ومنهم من حول للاعتقال الاداري، وآخرون لم يخضعوا لمحاكمات أو توجه لهم لوائح اتهام.  ويحتجز هؤلاء الصحفيون بدعوى التحريض على سلطات الاحتلال عبر مواقع التواصل الاجتماعي.  وفي هذا السياق، يخضع العديد من الفلسطينيين، بمن فيهم أطفال، خاصة في مدينة القدس المحتلة، لمحاكمات على بدعوى “التحريض على سلطات الاحتلال عبر مواقع التواصل الاجتماعي”.

 

وأدت سياسة الإفلات من العقاب وغياب المحاسبة، وصمت المجتمع الدولي على ما اقترفته قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام، على مدى السنين الماضية إلى اقترافها المزيد من الانتهاكات، وتصاعدها بشكل ملحوظ، خاصة في العامين الأخيرين.   وتخالف هذه الانتهاكات المعايير الدولية التي تكفل الحماية للصحفيين والمدنيين عامة.

  1. ستختصر عبارة (الصحفيون والعاملون في وكالات الأنباء المحلية والعالمية) في التقرير لاحقاً، بعبارة (الصحفيون) تجنباً للتكرار، لتشمل الصحفيون، المراسلون الصحفيون، المصورون الصحفيون، والعاملون في المكاتب الصحفية.
  2. لا تقتصر سياسة العزل التي تنتهجها قوات الاحتلال الحربي الإسرائيلي على الاعتداءات والانتهاكات بحق الصحفيين، حيث تفرض قوات الاحتلال على سبيل المثال، قيوداً مشددة على دخول الأجانب إلى الأرض الفلسطينية المحتلة وخاصة قطاع غزة، وذلك أيضاً في محاولة منها لعزل الأرض الفلسطينية عن العالم للتعتيم على ما تقترفه تلك القوات من جرائم بحق المدنيين الفلسطينيين.

 

 النسخة الكاملة من التقرير

https://pchrgaza.org/ar/wp-content/uploads/2019/06/report_jor_20-6-2019.pdf

 

——–

[3]انظر تقرير اللجنة الدولية: https://www.ohchr.org/Documents/HRBodies/HRCouncil/CoIOPT/A_HRC_40_74.pdf