مقدمة
تهدف هذه الورقة إلى فحص الأبعاد القانونية والحقوقية لقطاع غزة في ضوء خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي أعلنها في ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٥ لإنهاء الحرب في قطاع غزة (الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة، وفيما يلي: “خطة ترمب ٢٠٢٥”)، وتم بموجبها الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة بتاريخ ١٠ أكتوبر ٢٠٢٥. تطورات متلاحقة أعقبت هذه الخطة والإعلان عن وقف إطلاق النار، بما في ذلك إصدار قرار مجلس الأمن رقم (٢٨٠٣) بتاريخ ١٧ نوفمبر ٢٠٢٥، والإعلان عن ميثاق مجلس السلام المشكل بموجب الخطة في ١٨ يناير ٢٠٢٦، والمكونات الأخرى المنبثقة عن الخطة: تشكيل مجلس تنفيذي دولي، تعيين ممثل سامٍ للقطاع وتشكيل لجنة إدارية فلسطينية.
لم تتضح المعالم كاملة حول مستقبل وماهية الوضع في قطاع غزة، وكثير من تلك المعالم ربما يكون قيد التكوين وقد تطرأ مستجدات غير معلومة. لكن ما أعلن عنه حتى الآن، إضافة للوقائع الميدانية في قطاع غزة والتطورات المتلاحقة ذات الصلة، وما يصدر من تصريحات سواء من جانب الإدارة الأمريكية أو فاعلين آخرين، كل ذلك يقدم مادة أساسية لفهم معالم الطريق. وبالتالي، تسعى هذه الورقة لفهم هذا الواقع وآفاق المستقبل وتحديد رؤية قانونية – حقوقية من كل هذه التطورات، تشكل هادياً للتعامل مع الأجسام الإدارية والسياسية المشكلة التي تتولى إدارة غزة.
ترتكز الورقة على المنطلقات أو المحددات الأساسية التالية:
رغم إعادة انتشار قوات الاحتلال الإسرائيلي عام ٢٠٠٥، ظل قطاع غزة أرضاً محتلة وفق قواعد القانون الدولي، ودولة إسرائيل هي قوة الاحتلال التي تتحمل المسؤولية عن رفاه السكان المحليين. وهذا ما أكدت عليه محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في ١٩ يوليو ٢٠٢٤، حيث نص قرار المحكمة على أن “انسحاب إسرائيل من قطاع غزة لم يحررها بالكامل من التزاماتها بموجب قوانين الاحتلال. وتظل التزامات إسرائيل قائمة بما يتناسب مع درجة سيطرتها الفعالة على قطاع غزة.”1 فهل يؤثر تطبيق خطة ترمب ٢٠٢٥ على سيطرة إسرائيل الفعالة على قطاع غزة، وهل تتغير مسؤوليتها القانونية؟
كما يتضح من الوثائق المعلنة حتى الآن، لا يمس تطبيق خطة ترمب ٢٠٢٥ جوهر سيطرة إسرائيل على قطاع غزة، إنما العكس تماماً حيث ازدادت تلك السيطرة: ما تزال تسيطر إسرائيل على أجواء القطاع ومياهه الإقليمية، وما تزال تسيطر فعلياً على أكثر من ٥٠٪ من أرض القطاع، وما تزال تسيطر على المعابر، سواء معبر رفح البري مع جمهورية مصر العربية أو المعابر المخصصة للمعاملات التجارية. وما تزال تسيطر إسرائيل على سجل السكان، وهي الجهة التي تحدد من هو الفلسطيني المقيم في القطاع، وهي من تمنح الرقم الوطني (الهوية)، بما في ذلك للمواليد الجدد. وبالتالي، فالاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة قائم ومستمر، ويقع على إسرائيل واجب الوفاء بالتزاماتها كقوة احتلال وفق قواعد القانون الدولي.
في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز في يناير 2026، قال الرئيس ترمب بكل وضوح انه ليس بحاجة للقانون الدولي، وأن سلطته محددة فقط بأخلاقه.2 لقد تم التضحية بالقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. ولا ترتكز خطة ترمب في أي من مكوناتها على القانون الدولي، ولا تقدم أي أفق لإنهاء الاحتلال غير القانوني للأرض الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧ (الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة)، ولا الاعتراف بالحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف التي يكفلها القانون الدولي للشعب الفلسطيني، بما فيها الحق في تقرير المصير وحق العودة للاجئين الفلسطينيين. عوضاً عن ذلك، تضمنت الخطة بنداً باهتاً (البند ١٩) ينص على أنه بعد إجراء “الإصلاحات” في السلطة الفلسطينية، ربما تتوفر الظروف لمسارٍ يؤدي إلى حق تقرير المصير الفلسطيني والدولة. ولكن أية دولة وأي تقرير مصير؟! فقد استحضرت الخطة مجدداً صفقة القرن – خطة ترمب الأولى ٢٠٢٠ (صفقة القرن) – في تحديد “الإصلاحات” المطلوبة من السلطة الفلسطينية، وهي تضع المحددات بدقة لما يعنيه الرئيس ترمب بحق تقرير المصير.
وبذلك تخالف الخطة قرار محكمة العدل الدولية في يوليو ٢٠٢٤ والذي أوضح عدم جواز فرض شروط تعجيزية من قبل الاحتلال على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. كما أنها تخالف “إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة” لعام ١٩٦٠ والذي ينص على أنه “لا يجوز أبدا أن يتخذ نقص الاستعداد في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو التعليمي ذريعة لتأخير الاستقلال”.3 كما تخالف “اعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الامم المتحدة” لعام ١٩٧٠ والذي يقضي بضرورة “انهاء الاستعمار على وجه السرعة وفقا لرغبة الشعوب المعنية بالأمر المعرب عنهـا بحرية، علما بأن اخضاع الشعوب لاستعباد الاجنبي وسيطرته واستغلاله يمثل انتهاكا لهذا المبدأ” وحقوق الانسان الاساسية وميثاق الأمم المتحدة.4
تتنكر صفقة القرن تنكراً كاملا للقانون الدولي والحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وتمنح السيادة الإسرائيلية على القدس ومساحات شاسعة من الضفة الغربية وتشرع الاستيطان وضم المستوطنات، مقابل كيان فلسطيني في قطاع غزة وما تبقى من أراضٍ مقطعة الأوصال في الضفة الغربية.5 وكما شطبت خطة ترمب الأولى قضية اللاجئين وحق العودة، سوف تنهي الخطة الشاملة وجود مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، وهو ما يظهر بقوة في المخططات التي أعلنها جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترمب وأحد أبرز الفاعلين في خطة ترمب، لإعادة إعمار القطاع. وإذا ما أخذت في سياق الاستهداف الممنهج لوكالة الغوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) من قبل دولة الاحتلال، فإن الأمور تتجه نحو شطب قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة.
يبدو أننا أمام مشهد جديد لتفتيت الهوية والجغرافيا الفلسطينيين، وبعد عقود من مساعٍ إسرائيلية حثيثة للفصل التام بين قطاع غزة وبقية الأرض الفلسطينية المحتلة عام ١٩٦٧ (الضفة الغربية، بما فيها القدس)، عبر حصار غير قانوني وغير إنساني على القطاع، سوف تؤدي خطة ترمب ٢٠٢٥ إلى تكريس واقع قانوني – سياسي جديد، يؤدي حتماً إلى فصل قطاع غزة وتكريسه ككيان منفصل على المدى البعيد، بمعزل عن بقية الأرض الفلسطينية المحتلة التي يجري تفتيتها عبر وسائل عديدة (جدار الضم، الاستيطان، الحواجز العسكرية وغيرها).
انتزعت الإدارة الانتقالية الدولية قطاع غزة من السلطة الوطنية الفلسطينية، ولن تعود لها قبل أن تقوم الأخيرة بإجراء إصلاحات “مرضية” وتتمكن بصورة آمنة وناجعة من استعادة القطاع (قرار مجلس الأمن: البند ٣). ليس هناك سقف زمني محدد لاستعادة السلطة الفلسطينية للقطاع، وارتهان ذلك بإصلاحات “مرضية” يعني أن السقف مفتوح إلى مالا نهاية له. وبالتالي، ستتولى الإدارة الانتقالية الجديدة كافة الصلاحيات التشريعية والتنفيذية والقضائية في قطاع غزة إلى أجل غير مسمى!
لم تحدد خطة ترمب الكثير من التفاصيل، حيث يتولى إدارة قطاع غزة لجنة إدارية غير سياسية من التكنوقراط، تضم خبراء فلسطينيين ودوليين، تخضع لرقابة وإشراف جسم انتقالي دولي جديد (مجلس السلام) برئاسة الرئيس ترمب (البند ٩). وقد رحب قرار مجلس الأمن بتشكيل مجلس السلام كإدارة حاكمة انتقالية في القطاع، ستضع إطار العمل وتنسق جهود التمويل وإعادة الإعمار وفقاً لخطة ترمب ٢٠٢٥ (المادة ٢). وفوض القرار الأممي مجلس السلام بإنشاء كيانات عملياتية (operational entities) وظيفية، تخضع لإشرافه ورقابته، بما في ذلك إقامة حكم إداري انتقالي، والإشراف على لجنة إدارية غير سياسية مكونة من كفاءات فلسطينية من قطاع غزة (المادتان ٤ و٥).
ويفصل القرار (RES/2026/1) الصادر عن رئيس مجلس السلام، بأن المجلس سيتولى الإدارة الانتقالية الحاكمة في غزة لمراقبة والإشراف على تطبيق خطة السلام، وسيكون له “جميع السلطات التشريعية والتنفيذية، وسلطات الطوارئ وإدارة العدل،” وله في ذلك “أن يمارس كل الصلاحيات والسلطات التي يراها ضرورية.” ويتولى المجلس العلاقات الخارجية وهو صاحب السلطة التعاقدية مع الدول والمنظمات الدولية.
وفق قرار رئيس مجلس السلام المذكور أعلاه، سوف يستمر تطبيق القوانين المدنية والجزائية السارية في قطاع غزة قبل ١٠ أكتوبر ٢٠٢٥، ما لم “تتعارض مع القانون الدولي ومبادئ عدم التمييز…أو الخطة الشاملة.” وللمجلس التنفيذي والممثل السامي صلاحية “سن قوانين جديدة، أو تعديل أو إلغاء قوانين سابقة كلما كان ذلك ضرورياً وملائماً لتطبيق الخطة الشاملة..”
وبالتالي، نحن أمام مرحلة جديدة سيتم فيها إعادة صياغة النظام القانوني في قطاع غزة، وسلخه عن النظام القانوني الفلسطيني، وتعديل وسن قوانين بما يخدم الخطة.
الكثير من التساؤلات تثار حول القوانين الخاصة بالأراضي وحقوق الملكية، على ضوء ما نشر من خطط لمستقبل قطاع غزة، وثمة مخاوف من سن قوانين جديدة ومصادرات واسعة النطاق للأملاك الخاصة، لصالح المشاريع الكبرى التي تبشر بها خطة ترمب.
تشكل حرية الحركة للأفراد والبضائع عنصراً أساسياً في وحدة الشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة. بعد نكبة ١٩٤٨، تقطعت أوصال الشعب الفلسطيني وفصل قطاع غزة تماماً عن الضفة الغربية. وكان نتاجاً غير مرغوب به للاحتلال الإسرائيلي عام ١٩٦٧ لما تبقى من فلسطين التاريخية أن تمكن الفلسطينيون سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية أو في الداخل من التواصل تحت سقف الاحتلال، وهو ما ساهم، خلافاً لإرادة المحتل، في إعادة اللحمة الفلسطينية وترميم الهوية الجامعة. ولكن سرعان ما أدركت دولة الاحتلال أهمية حرية الحركة، فبدأت منذ تسعينيات القرن الماضي فرض قيود تدريجية وتراكمية على الحركة بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ورغم نص اتفاقيات التسوية المرحلية بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة إسرائيل على الوحدة الإقليمية للضفة الغربية وقطاع غزة، ووجود ممرات آمنة للحركة بينهما، سرعان ما تنصلت دولة الاحتلال من هذا الالتزام، فأوقفت العمل بالممرات الآمنة بعد بضع أسابيع من تشغليها، وزادت من القيود على الحركة إلى أن انتهى الأمر بفرض حصار شامل غير إنساني وغير قانوني على قطاع غزة.
يبدو أن خطة ترمب ٢٠٢٥ تعيد عقارب الساعة ٥٩ عاماً إلى الوراء، أي إلى حقبة ما قبل الاحتلال عام ٦٧ والفصل التام وانعدام حرية الحركة بين قطاع غزة والضفة الغربية، لكن هذه المرة مع الإبقاء على الاحتلال الإسرائيلي وتعزيزه. لا تتطرق خطة ترمب لحرية الحركة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وسيظل المستقبل رهناً بإرادة المحتل الإسرائيلي الذي عمل ويعمل بدأب على مدى سنوات للفصل التام وتكريسه، ضمن رؤيته للتفتيت الجغرافي والديمغرافي في الأرض الفلسطينية المحتلة.
إنّ قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس، هما وحدة إقليمية لا تتجزأ، وتفتتيها هو جزء من سياسة منع ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير. كما أنّ هذا التفتيت الجغرافي هو جزء لا يتجزأ من ممارسة الفصل العنصري بهدف الهيمنة والاضطهاد. وبذلك تكرّس خطة ترامب الممارسات الإسرائيلية التي، كما أوضحت محكمة العدل الدولية في يوليو ٢٠٢٤، تخالف الحظر الدولي على الفصل العنصري والعزل العنصري.6
يشكل إجراء الانتخابات العامة، الرئاسية والتشريعية، أحد أهم المقدمات لعملية إصلاح شاملة في السلطة الفلسطينية. وإذا كانت عملية الإصلاح شرطاً لاستعادة السلطة الفلسطينية قطاع غزة، كما يرد في خطة ترمب، فمن الطبيعي أن يدار الحكم الفلسطيني من قبل ممثلي الشعب المنتخبين في انتخابات حرة ونزيهة، وأن يخضع هؤلاء الممثلون للمساءلة الشعبية.
إن إجراء انتخابات فلسطينية عامة في الظروف القائمة هو أمر مستحيل، وفي أحسن الأحوال لن يشمل قطاع غزة. لم تأت خطة ترمب على ذكر الانتخابات أصلاً، ولن يشارك الغزيون في أية انتخابات عامة فلسطينية. وإذا ما أخذنا بالحسبان الموقف الإسرائيلي (المدعوم من ترمب) حيال القدس، فسوف تنحصر الانتخابات في الضفة الغربية بدون القدس، وبدون قطاع غزة.
دولة فلسطين هي طرف متعاقد على عشرات الاتفاقيات الدولية، وهي ملزمة بإعمالها في مناطق ولايتها التي تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة. وتقدم فلسطين تقارير دورية للجان التعاقدية عن مدى التقدم في إعمال تلك الاتفاقيات في مناطق ولايتها. ورغم إدراك اللجان التعاقدية واقع وظروف عمل السلطة الفلسطينية تحت الاحتلال، ودور الأخير في إعاقة وفاء فلسطين بالتزاماتها التعاقدية، تكاد لا تخلو أي من الملاحظات الصادرة عن تلك اللجان حول مسؤولية فلسطين عن اعمال الاتفاقيات في قطاع غزة، رغم عدم سيطرة السلطة الفلسطينية على القطاع منذ عام 2007. 7.
وضع الفلسطينيون في قطاع غزة بين خيارين: إما استمرار القتل والتهجير واستمرار جريمة الإبادة الجماعية على مرأى ومسمع العالم، أو القبول بخطة لا ترتكز على القانون الدولي ولا تقدم أية ضمانات للوصول إلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال وتقرير المصير. بعد أربعة أشهر من بدء تنفيذ الخطة، فإن وقف إطلاق النار غير قائم عملياً، وما تزال جريمة الإبادة مستمرة ومخاطر التهجير قائمة.
تحصد آلة الحرب الإسرائيلية يومياً المزيد من الضحايا بين قتلى ومصابين. ومنذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في ١٠ أكتوبر ٢٠٢٥ وحتى ١٠ فبراير ٢٠٢٦، قتلت قوات الاحتلال أكثر من ٥٧٠ فلسطينياً وأصيب أكثر من ١٥٠٠ آخرين في قطاع غزة، نصفهم من الأطفال والنساء.
ولم يطرأ تحسن جوهري على الأوضاع الإنسانية في كافة مناحي الحياة، ومن الواضح أن دولة الاحتلال تراهن على إبقاء، بل وتعميق، الظروف التي تؤدي إلى الإهلاك الفعلي للفلسطينيين في قطاع غزة، كلياً أو جزئياً. وبالتالي، لا مناص أمام من يتبقى على قيد الحياة سوى الهجرة ومغادرة القطاع.
إن إصرار دولة الاحتلال على فتح معبر رفح باتجاه واحد، أو في أحسن الأحوال تقييد حق العودة للقطاع، بالتوازي مع الإبقاء على الظروف المعيشية القاسية، سيؤدي حتماًُ إلى التهجير القسري للغزيين على المدى البعيد.
وبالتالي، فإن الرهان على وقف جريمة الإبادة الجماعية ووقف التهجير من خلال تطبيق الخطة لا تدعمه الحقائق على الأرض، إنما العكس تماماً حيث تستمر الإبادة والتهجير ولكن بصخب أقل.
النظام المقترح لقطاع غزة هو نظام وصاية أجنبية واستعمارية بامتياز، لا قرار فيه لأي مكون فلسطيني. بل أكثر من ذلك، تشترط الخطة إقصاء فصائل فلسطينية من المشاركة المستقبلية في الحكم (البند ١٣).
كما أن شكل الحكم المتشكل يخلو من الديموقراطية وأقرب ما يكون إلى حكم الفرد الواحد، وسلطة الفرد الواحد شبه المطلقة منوطة بشخص واحد هو دونالد ترمب، بصفته الشخصية لا بصفته رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. وحتى بعد انتهاء ولايته كرئيس للولايات المتحدة، سيبقى دونالد ترمب صاحب السلطة الفردية، وهو الوحيد الذي يملك حق التنازل عن أية صلاحيات، بما في ذلك الحق في تعيين خلف له. تشمل هياكل الحكم في غزة الأجسام التالية:
ليس فقط المجتمع المدني فحسب، بل الشعب الفلسطيني بأسره، تم إقصاؤه وتغييبه ولم يستشر في أي من مراحل اعداد خطة ترمب وتم اسقاطها قسراً، فإما القبول بالخطة أو القضاء التام على قطاع غزة وشطبه عن الخارطة! ولذلك لن تكون أية مساحة لعمل مجتمع مدني قوي وفعال، ولن يسمح بالعمل إلا لمن يدعم خطة ترمب.
استبق الرئيس ترمب إعلان خطته بفرض عقوبات جائرة على منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية الرائدة التي تقود العمل القانوني أمام المحكمة الجنائية الدولية (المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، مؤسسة الحق، ومركز الميزان لحقوق الإنسان)، بسبب عملها على ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين.8 سبق ذلك فرض عقوبات على مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان ووضعها على قوائم الإرهاب. واستمر هذا النهج بضم المزيد من المنظمات إلى لائحة العقوبات، والرسالة واضحة: لن يسمح بعمل منظمات تنتقد خطة ترمب وتنفيذها.
القرار رقم ١ الصادر عن رئيس مجلس السلام لا يقبل التأويل: فقط الأشخاص والكيانات الذين يدعمون “الخطة الشاملة” سيشاركون في الحكم، إعادة الإعمار، أو نشاطات المساعدة الإنسانية في غزة، وسيقوم المجلس التنفيذي والممثل السامي بوضع معايير لتحديد من سيشارك في تنمية “غزة الجديدة” (المادة ٨). وبالتالي، لن يسمح بوجود أي صوت معارض أو منتقد للخطة، وستجري “فلترة” المجتمع المدني على أساس كل حالة على حده (وفق نفس المادة)، بعد موافقة رئيس مجلس السلام، ولن يكون حاضراً إلا من يقدم الولاء قولاً وفعلاً. وهذا التحديد يشمل المنظمات غير الحكومية بشكل عام، المحلية والدولية على السواء.
لذلك، على المجتمع المدني التحضير والتجهيز لفترة عصيبة قد لا يسمح فيها بالعمل إلا لمنظمات ذات لون واحد تكون طرفاً في تنفيذ خطة ترمب. وإذا كان نظام الوصاية الذي يجري تشكيله هو أشبه بنظام حكم الفرد المطلق، من الطبيعي أن يتم شطب المجتمع المدني والاستعاضة عنه بعدد مقيد من المنظمات غير الحكومية المحلية والدولية التي تخدم هذا النظام وغاياته.
على مدى عقود، عملت منظمات المجتمع المدني بقوة وفعالية حتى في أحلك ظروف الاحتلال العسكري الإسرائيلي المباشر. ومع إقامة السلطة الفلسطينية عام ١٩٩٤، خلصت المنظمات إلى رؤية استراتيجية بالانخراط الإيجابي والبناء مع السلطة الناشئة باعتبارها سلطة وطنية – السلطة الوطنية الفلسطينية – بمساحة الصلاحيات التنفيذية والتشريعية والقضائية المنوطة بها وفق اتفاقيات التسوية المرحلة. وقد وجهت هذه الرؤية العمل على امتداد العقود الثلاثة الماضية. فهل بالإمكان التفكير في مقاربة مماثلة مع الإدارة الانتقالية لغزة، سواء اللجنة الإدارية أو المكونات الأخرى؟
رغم القيود التي فرضتها السلطة الوطنية الفلسطينية على الحق في تكوين الجمعيات، خاصة في أعقاب الانقسام الفلسطيني عام ٢٠٠٧، ظل المجتمع المدني التعددي يعمل بفعالية ومارس أدوراً أساسية في كافة مناحي الحياة الفلسطينية، بما في ذلك العمل الرقابي على أداء السلطات العمومية. ولكن المقدمات بشأن المرحلة المقبلة لا تبشر بخير، وثمة تساؤل مشروع حول وجود المجتمع المدني بالأساس، ومساحة العمل المتوقعة للمنظمات الأهلية! كما أن من الصعوبة بمكان الخلوص إلى مقاربة مماثلة – الانخراط الإيجابي والبناء – مع نظام وصاية دولية لا قرار فيه للفلسطينيين، ولا يخضع لأي شكل من أشكال المساءلة الشعبية.
بالرغم من كل ذلك، ومع إدراكنا لمخاطر خطة ترمب وهدرها للحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، ينبغي التأكيد على أن المجتمع المدني الفلسطيني عمل في أحلك الظروف، وتحت الحكم العسكري المباشر للاحتلال الإسرائيلي، وما يزال يشتبك مع هذا الاحتلال من الناحية القانونية، وبمساحة العمل الحقوقي. وبالتالي، يتوجب على منظمات المجتمع المدني الانفتاح على مؤسسات الحكم المقترح بكل مكوناتها، بما في ذلك الممثل السامي واللجنة الإدارية الفلسطينية التي أعلن عن تشكيلها مؤخراً ولم تتول بعد مهامها عملياً ولم تنتقل من مقرها في القاهرة إلى قطاع غزة. ولكن علينا مراقبة المرحلة القادمة والتطورات اللاحقة لتحديد المسار، خصوصاً مع اللجنة الإدارية الفلسطينية والممثل السامي، مع الاستعداد لأسوأ السيناريوهات: منع وتقييد عمل المجتمع المدني، والسماح فقط بعمل عدد محدود من المنظمات ذات الطابع الإنساني والتنموي التي تنخرط في خطة ترمب وتعمل من أجل تنفيذها.