مارس 18, 2025
من قلب المعاناة: شهادة امرأة من غزة في مواجهة النزوح والتهجير القسري
مشاركة
من قلب المعاناة: شهادة امرأة من غزة في مواجهة النزوح والتهجير القسري

أشواق علي عبد الله ظاهر، أخصائية اجتماعية في بيت الأمان لإيواء النساء المعنفات، 46 عاماً، سكان معسكر جباليا بجوار أبو جامع التوبة، نازحة بجوار مدرسة الزهراء، ارملة.

تاريخ المقابلة: 22/2/2025

مع بدء اجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي منطقة جباليا بتاريخ 5/10/2024، كنت مقيمة مع أولادي الثلاثة في منزل أرضي بجوار جامع التوبة. في بداية الأمر، كان الوضع لا يزال تحت السيطرة إلى حد ما. كنا نتمكن من الخروج إلى الأسواق لتلبية احتياجاتنا بالرغم من القصف المتواصل من الطيران الحربي الإسرائيلي وقذائف الدبابات. كنا نسمع صوت الانفجارات الهائلة، لكن الوضع لم يكن خطيرًا جدًا في البداية، وكنا نقدر على التحرك بشكل نسبي.

ولكن مع مرور الأيام، بدأ الوضع يتصاعد. في تاريخ 15/10/2024، تمركز قناص إسرائيلي في منطقة اليمن السعيد، وكان يستهدف الناس في الشوارع، مما جعل الحركة تصبح أكثر صعوبة وأقل أمانًا. وصار التنقل بطيئًا، وأصبح من الصعب التواصل مع أي شخص آخر.

بحلول 17/10/2024، اشتد القصف بشكل غير مسبوق، وسمعنا أصوات القذائف العنيفة التي كانت تهز الأرض. كانت هناك قذائف دخانية وقذائف هاون تدمر المنازل وتقتل الناس، وكانت تطلقها الدبابات والمدرعات الحربية الإسرائيلية من مناطق بعيدة في الشرق، لتصيب أهدافها. اقترب القصف بشكل أكبر من منطقتنا في جباليا، وبدأنا نسمع أصوات الصواريخ التي كانت تضرب بالقرب من منزلنا، مما جعل الخطر يزداد بشكل كبير.

في تلك اللحظة، شعرنا بالعجز عن اتخاذ أي قرار بشأن مكان النزوح، فقررنا الهروب إلى منطقة الشيخ زايد، حيث كان منزل إخوتي وعائلتي. في تلك الأوقات، بدأ القصف يتواصل بشكل يومي، حيث كانت الطائرات الحربية من طراز أف 16 تقصف الساعة الخامسة صباحًا، وتستهدف منازلنا وأراضينا، بالإضافة إلى إطلاق قذائف مدفعية ودبابات على المناطق المحيطة. كانت الطائرات المسيّرة (الطائرات الكواد كابتر) تحلق في السماء، وتطلق الرصاص والقنابل النارية على المناطق التي استولت عليها القوات الإسرائيلية.

على الرغم من أن الحركة كانت صعبة جدًا بسبب القصف المستمر، إلا أننا كنا نحاول أحيانًا الخروج إلى مشروع بيت لاهيا للتسوق، رغم المخاطر.

في تاريخ 27/10/2024، وصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى منطقة أبراج الشيخ زايد ودخلوا معسكر جباليا. بدأت عملية الإخلاء القسري من قبل قوات الاحتلال، حيث تم اعتقال الشباب وتفتيش النساء، وكان يتم رمي حقائبهن، خصوصًا حقائب المال. فصلوا النساء عن الرجال، وبدأت عمليات التفتيش والاعتقال تتم على مدار الساعة. كانت العمليات تجري بشكل منهجي، حيث كانت قوات الاحتلال الاسرائيلي تمسك كل مربع وتقوم بالإخلاء والاعتقالات. كانت مشاهد محزنة، لا سيما في هذه المرحلة التي تم فيها فصل الأسر، مما زاد من المعاناة النفسية.

بعد عملية إخلاء المدارس، توقفت الحركة تمامًا. لم نتمكن من الخروج إلى أي مكان آخر، وكانت الناس تهرب وتفر من المكان مع استمرار الحصار. لم تعد هناك أي حركة في المنطقة، وكان الوضع يسير نحو الأسوأ. ظللنا محاصرين في هذه الحالة لأكثر من شهرين. كانت المجاعة تزداد تدريجيًا مع غياب البضائع والسلع التي لم تعد تدخل المنطقة بسبب الحصار المشدد.

بعد فترة من الزمن، بدأت دبابات ومدرعات قوات الاحتلال الإسرائيلي بالدخول إلى منطقة أبراج الشيخ زايد، وبدأوا باستخدام مكبرات الصوت لإجبار الناس على الخروج من منازلهم والنزوح إلى غزة. كانت هناك حوالي عشرة منازل فقط تحتوي على نازحين، ولكن مع إطلاق النار من الطائرات الكواد على المنازل، استشهد العديد من الأشخاص أثناء محاولتهم الفرار. تم اعتقال الشباب أثناء محاولتهم الخروج، بينما كانت النساء تمر عبر الحواجز.

بعد ذلك، نزحنا إلى مدرسة أبو تمام التي كانت مزدحمة جدًا بالنازحين، ولم يكن هناك مكان للجلوس. كان الوضع غير محتمل، مما دفعنا للبحث عن مأوى آخر. ذهبنا إلى منزل أقاربنا في منطقة مدرسة أبو تمام، حيث مكثنا لمدة أسبوع، ولكن الوضع هناك لم يكن أفضل بكثير بسبب اكتظاظ الناس وقلة الإمكانيات.

في نوفمبر 2024، انسحبت قوات الاحتلال الإسرائيلي من المستشفى الإندونيسي وتراجعت إلى منطقة الإدارة المدنية، مما سمح لي ولعائلتي بالعودة إلى منطقة الشيخ زايد مجددًا. كانت المنطقة لا تزال تحت مراقبة قوات الاحتلال، حيث كانت هناك حركة محدودة بين أبراج الشيخ زايد ومدرسة أبو تمام.

بعد عودتنا إلى منازلنا، استمر القصف من الطائرات الحربية “إف 16″، حيث كانت تحرق المنازل في محيط مشروع بيت لاهيا بشكل عنيف، مما أدى إلى تدمير المعالم وتغيير المنطقة بالكامل. كانت الروبوتات التي تفجر المنازل تقترب من منطقتنا في الشيخ زايد، مع انتشار طائرات “الزنانة” وطائرات “الكواد كابتر”، إضافة إلى استمرار القصف من طائرات “إف 16”. كان الوضع صعبًا جدًا، وكان يمر يوم أو يومين من الهدوء المؤقت، ولكن سرعان ما يعود القصف.

في هذه الأثناء، كنا نسمع عبر طائرات “الكواد كابتر” دعوات للأهالي في منطقة تل الزعتر بالذهاب إلى الحواجز والتوجه إلى الجنوب. كانت قوات الاحتلال تدخل مراكز الإيواء وتطلب من الناس الاخلاء. كانت هناك أحزمة نارية تحيط بكل مناطق الشمال، بما في ذلك منطقتنا.

بقينا محاصرين لثلاثة أشهر، حيث كنا نأكل وجبة واحدة فقط في اليوم. كانت الحركة مقيدة جدًا، ولم نتمكن من الخروج للتسوق بسبب الحصار. كانت السلع الأساسية، مثل الخميرة، السكر، الطحين، والسيرج، نادرة جدًا، والمياه الصالحة للشرب أيضًا شحيحة جدًا طوال أشهر أكتوبر ونوفمبر وديسمبر 2024.

في وقت لاحق، بدأت قوات الاحتلال عملية الدخول إلى منطقة الشيخ زايد، بدأوا بتنفيذ الأحزمة النارية في محيطنا. كان القصف من الدبابات يشتد، وكانت المنازل تهتز نتيجة انفجارات القذائف. كنا نحاول الهروب من غرفة إلى غرفة لتجنب القذائف والشظايا، ونتجنب الأماكن القريبة من القصف. كانت الحياة في تلك الفترة لا توصف، حيث كانت كل لحظة مليئة بالخوف من القصف والتهديدات المستمرة.

أثناء دخول قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى منطقتنا، بدأوا في اعتقال الرجال وكبار السن من جميع الفئات العمرية، بينما كانت النساء تُجبر على الخروج عبر الحواجز للتوجه إلى الجنوب. كانت الشوارع مليئة بالشهداء الذين سقطوا على الأرض بأعداد كبيرة، بينما كانت الناس في حالة من الخوف والرعب، لا يعرفون إلى أين يذهبون، يهربون من مكان إلى آخر مع أطفالهم وأغراضهم كما لو كان يوم القيامة.

كنا نبحث عن طعام في تلك اللحظات الحرجة بعد أن غادر الناس المنطقة وانتشرت طائرات “الكواد كابتر”، التي بدأت تقصف المكان. كانوا يقذفون المواد الحارقة، مثل البنزين، على المدارس، وبعدها يقومون برمي القنابل لتشتعل النيران. تم إحراق مدرسة الحرتاني بالكامل في 15/11/2024، حيث استمرت النيران طوال اليوم، دون أن يتمكن أحد من إطفائها أو إنقاذ من كان بداخلها.

ثم جاء دور مدرسة أبو تمام، التي كانت على بعد 300 متر فقط من مكاننا. بدأت عملية إخلاء المدرسة عن طريق طائرات “الكواد كابتر”، التي كانت تنادي على الناس الموجودين داخلها بالانتقال عبر الحاجز. أثناء خروجهم، كانت الطائرات تقصفهم، حيث كانوا يُقذفون بالقنابل الحارقة، وكان بعض الناس في المدرسة يرفضون الخروج. فقامت قوات الاحتلال بإلقاء القنابل داخل المدرسة لإجبارهم على الخروج، بما في ذلك قذائف دخانية وصوتية ونارية.

كان الخوف يتزايد يوماً بعد يوم، خاصة مع انعدام الحركة في بيت لاهيا نتيجة انتشار طائرات “الكواد كابتر” 24 ساعة في اليوم. كنا نعيش في منطقة تتألف من حارتين و10 بيوت فقط، وكانت الحركة فيها محصورة للغاية. كنا نبحث عن الطعام والماء لمدة ساعتين، وفي نهاية تلك الفترة يبدأ القصف مجددًا. استمرت هذه الحالة لمدة ثلاث أشهر، دون وجود أي اتصال مع غزة. كنا نحاول إرسال رسائل للترقب عن أي أخبار تتعلق بالهدنة، ولكن لم نسمع شيئًا، مما زاد من تعكر حالنا النفسي.

كانت الشوارع مليئة بالجثث التي تزايد عددها بشكل كبير، وكانت الكلاب تنهش فيها، مما جعل عملية الدفن صعبة للغاية. كانت العائلات تدفن أحبائها بالقرب من منازلهم، لكي يسهل التعرف عليهم لاحقًا.

السبب الذي دفعني أنا وعائلتي للبقاء في جباليا كان الأمل في حدوث هدنة، حيث صبرنا طويلاً وعلقنا أملنا على صفقة لوقف إطلاق النار. كنا نعيش في انتظار خبر الهدنة الذي لم يأتِ، وكان الوضع النفسي في غاية السوء نتيجة الظروف التي مررنا بها.

في نهاية شهر نوفمبر 2024، اشتد القصف بشكل كبير، حيث بدأت الروبوتات العسكرية في تنفيذ عمليات تفجير المنازل والمباني السكنية، محملة بأطنان من المتفجرات. كانت الانفجارات شديدة وعنيفة، تشعر وكأنها زلزال، مع أصوات قصف مدوية. كان يتم تفجير مربعات سكنية كاملة، بما في ذلك المنازل الكبيرة والصغيرة، وكانت الانفجارات قوية جدًا.

توالت الأيام على هذا الحال إلى تاريخ 15/12/2024، وفي الساعة الثانية فجرًا، دخلت دبابات ومدرعات عسكرية إسرائيلية إلى منطقة أبراج الشيخ زايد وقصفوا مدرسة مسقط في منطقة دوار التعليم. مع وصولهم، بدأت عمليات الحزام الناري، حيث قصفوا المنازل بواسطة دبابات، واستمر القصف عبر طائرات “الكواد كابتر”. كانت الطائرات تدخل المدارس والمنازل وتوجه نداءات على الناس بعدم الهروب، لكن بعض الشباب حاولوا الفرار وتم قصفهم واستشهدوا.

في نفس الليلة، تم نقل النساء والرجال من مدرسة خليل عويضة في منطقة أبراج العودة إلى حاجز الإدارة المدنية من الساعة 2 صباحًا حتى الساعة 5 فجراً. بدأت عمليات الاعتقال للشباب مع حالات إعدام واسعة. كانت تلك الفترة هي الأصعب في حياتنا، حيث عشنا في حالة خوف ورعب مستمر. كانت حالة الرعب التي نعيشها مثل الموت بعينه.

لكن الخوف لم يكن جديدًا علينا، فقد أصبح جزءًا من حياتنا اليومية. فمنذ أكثر من عام، تحديدًا في 12 ديسمبر 2023، تعرض منزلنا خلف مستشفى كمال عدوان للقصف بصاروخين. كنت داخل مبنى من ثلاثة طوابق حين سقطت القذائف، وانهار كل شيء من حولي. أصبت أنا بارتجاج شديد في الدماغ، أفقدني الوعي لشهر كامل. وعندما استيقظت، كان العالم قد تغير، أو ربما أنا التي تغيرت. فقدت حاسة الشم والتذوق، ولم أستعدهما حتى الآن. لكن أكثر ما بقي معي لم يكن فقدان الحواس، بل الإحساس الدائم بأن الموت أقرب إليّ من الحياة.

في الأسابيع التالية، استمرت المجازر، ولكن في ليلة 21 ديسمبر 2024، بلغ الجحيم ذروته. لم يكن هناك توقف للقصف، كل عشر ثوانٍ كانت السماء تمطر علينا نيرانًا، من الطائرات الحربية، والروبوتات المفخخة التي تفجر المنازل فوق رؤوس أهلها، وقذائف الهاون التي لا تترك فرصة للنجاة. عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، سقطت القذائف على الحارة المجاورة لنا، ولم تكن مجرد قصف عشوائي، بل كان دمارًا متعمدًا. كانت الروبوتات تتسلل إلى الأحياء، تزرع الموت بصمت، ثم تنفجر فجأة، ليهوي كل شيء معها. كنا نراقب بصمت، نترقب أن يأتي دورنا. لم يكن هناك مهرب، لم يكن هناك خلاص.

في تلك الليلة، لم نفكر في الطعام أو الماء، لم نعد نفكر بأي شيء سوى بالبقاء. كنا ننتظر دورنا في الموت، نحاول التمسك بأي ذرة من الأمل بأن هذه المجزرة ستتوقف، بأن الهدنة ستأتي وتنقذنا. لكن لا شيء جاء، سوى المزيد من القذائف، والمزيد من الموت، والمزيد من الخوف الذي استوطن أرواحنا ولم يغادرها أبدًا.

في صباح يوم 22 ديسمبر 2024، كان الوضع أشبه بكابوس متواصل. الساعة السادسة صباحًا، انفجرت ثلاث قذائف نارية من دبابات الاحتلال على منزلنا. كنت في الطابق الأرضي عندما سمعت الانفجارات العنيفة، بينما كان أهلي في الطابق العلوي. هرعوا نحو الأسفل ونحن في حالة من الرعب الشديد، بدأنا نصرخ، وكل شيء من حولنا يهتز. أدركنا أن الوضع أصبح أكثر من خطير، وبسرعة قررنا الخروج من المنزل. كانت أصوات القذائف تتوالى، وكل لحظة تمر كانت تشعرنا بأننا في مرمى الموت.

قررنا المغادرة صباح اليوم التالي، في الساعة التاسعة من صباح 23 ديسمبر 2024. ومع أننا سمعنا قصفًا صاروخيًا على الشبان في منطقتنا، إلا أننا لم نعد نملك خيارًا سوى الهروب. حملنا رايات بيضاء وأخذنا أطفالنا، وخرجنا نحاول النجاة بأرواحنا. كان الطريق مليئًا بالجثث التي ملأتها الكلاب المسعورة التي تنهش بها. أصوات صرخات الناس تحت الركام كانت تملأ الجو، وكان من الواضح أن المحاولات لإنقاذهم أصبحت مستحيلة بسبب قوة تفجيرات الروبوتات التي دمرت المنازل فوق رؤوس أصحابها. القصف الصاروخي كان مستمرًا، والمنازل تتحول إلى أنقاض على رؤوس أصحابها.

بينما كنا نمشي، كانت مجموعات من الناس تتحرك معنا، وكنا ننتظر من يتخلفون من كبار السن الذين كانوا يتحركون بصعوبة. كنا نمشي بعض الوقت ثم ننتظرهم، وتحولت تلك اللحظات إلى ساعات من القلق والترقب. استمرت مسيرتنا لساعتين متواصلتين، قطعنا خلالها ما يقرب من ستة كيلومترات، حتى وصلنا إلى حاجز الإدارة المدنية. الطريق كان مليئًا بالعقبات، بما في ذلك السواتر الرملية التي كانت تزيد من صعوبة المسير.

عندما وصلنا إلى حاجز الإدارة المدنية في الساعة الثانية عشرة ظهرًا، شاهدنا الناس عند الحاجز يركعون، ولم نعرف السبب. كانت قوات الاحتلال الإسرائيلي متواجدة على الحاجز، وأخذ منا هوياتنا وأمرنا بالجلوس على الأرض. كنت جالسة مع ابنتي، آخر النساء في صفنا، وحملنا أغراض إخواني على الدراجة الهوائية. كانت الأوضاع صعبة للغاية، وكان الجنود يصرخون علينا لأدنى حركة، حتى لو سقطت حقيبة من أيدينا. كانت الدبابات والجرافات تسرع نحونا، وكان القلق يملأ قلوبنا، خوفًا من أن تدهسنا هذه المركبات الضخمة. كان الأطفال معنا في حالة من الرعب الشديد، وكانوا يظنون أنهم قد يتعرضون للدهس في أي لحظة. شعرنا أننا نرى الموت بأعيننا، وكأننا نعيش تجربة الموت مئات المرات.

أثناء جلوسنا، كان جنود الاحتلال يقومون بتصويرنا وهوياتنا، وكأننا مجرد أرقام أو ضحايا في قائمة مجهولة. استمر جلوسنا على الأرض لمدة ربع ساعة تقريبًا. بعد ذلك، أمرنا بالمضي قدمًا نحو الجنوب. بدأوا باستخدام مكبرات الصوت ليطلبوا منا التحرك، وكان كبار السن يتحركون ببطء. في تلك اللحظات، سمعنا صوت طائرة أف 16، وما هي إلا لحظات حتى انفجر الصاروخ فوق رؤوسنا، طارت الشظايا حولنا، ولكن لم يكن هناك ما يفصلنا سوى عشرة أمتار فقط. صمتنا للحظات بعد الانفجار، لم نسمع سوى ضجيج الانفجار الذي كان يعصف بكل شيء حولنا.

واصلنا السير، وكان أغلب من يمشون معنا هم كبار السن، الذين كانوا يتعبون بسرعة. وصلنا إلى بركس حمادة في منطقة زمو، حيث كانت الدبابات ترافقنا وتحاصرنا طوال الطريق. كنا نتحرك بحذر وحملنا أغراضًا ثقيلة، وكانت الأوضاع لا تطاق بسبب استمرار القصف من الدبابات والطائرات فوق رؤوسنا. كلما توقفنا على جانب الطريق للراحة، كنت أجلس على الرصيف في منطقة زمو، وأعود ثانية لجلب باقي الأغراض على الدراجة الهوائية، متحملة كل هذه الأعباء رغم الخوف المستمر الذي كان يهددنا في كل لحظة.

عندما وصلنا إلى منطقة زمو، ساعدنا أهل المنطقة في حمل أغراضنا وقدموا لنا الماء. شعرنا بشيء من الراحة، ولكن في نفس الوقت كانت الطائرات الحربية تقصف صواريخ أف 16 علينا من أجل تخويفنا وتهديدنا. أصبحنا في حالة من الضياع، لا نعرف إلى أين نذهب في دوار القرم، ولكننا بشكل ما شعرنا أننا وصلنا بأمان. انتظرنا هناك حوالي ساعة ونصف، أنا وابنتي، في انتظار وصول بقية عائلتي الذين تأخروا بسبب بطء حركة كبار السن وحملهم للأغراض الثقيلة.

في الساعة الثانية ظهرًا، وصلنا إلى بيت أقاربنا في منطقة مدرسة الزهراء، منطقة الدرج. في هذه الأثناء، كان إخوتي لا يزالون عند جنود الاحتلال، فقد احتجزوهم لمدة خمس ساعات تقريبًا. أخبرني ابني مصطفى، 25 عامًا، أنه تم احتجازهم في مكان مغلق، وكانوا يجلسون على الأرض بطريقة مؤلمة، كما كان الجنود يضربونهم بالأحذية على ظهورهم. وكانوا أيضًا يوجهون الشتائم لرجال كبار السن الذين كانوا معهم. لم يتم التحقيق معهم، بل كانوا فقط ينتظرون رد الشاباك على هوياتهم. إذا كان الرد إيجابيًا، كانوا يُفرَج عنهم، وإذا كان سلبيًا، كانوا يُعتقلون. وعندما جاء الرد بالموافقة، أُجبروا على الجلوس على باب البركس بينما كانت الدبابات تمر مسرعة وتغطّيهم بالغبار الكثيف حتى لم يستطيعوا رؤية شيء.

كانت مدينة جباليا قد تحولت إلى مدينة أشباح. كل شيء كان في حالة خراب، ولم يكن هناك أي تغطية إعلامية للأحداث. كانت جباليا مليئة بالركام والمباني المدمرة، وكان المشهد مؤلمًا جدًا. كنا نمشي على جثث الموتى، وسمعنا صرخات من هم تحت الركام، كنا نبكي لأننا لم نتمكن من إنقاذهم. لم يكن هناك أي فرق للدفاع المدني أو الإسعاف. الجرحى كانوا يبقون لساعات، وأحيانًا لأيام، دون أن يتمكن أحد من الوصول إليهم. كانت مشاهد قاسية ومؤلمة.

لقد كانت هذه الأشهر من أصعب الفترات التي مررنا بها، خاصة بعد الاجتياح الأخير، واجهنا ظروفًا لا يمكن وصفها من الخوف والجوع والتشريد. الوضع النفسي غير قابل للوصف. في تلك الأيام، كانت المناطق الشمالية خالية تمامًا من السكان، وكأنها مدينة أشباح.  كنا نحلم بعودة الأمان ولو للحظة. رغم كل ما عايشناه من فقدان وخسائر، ما زلنا نتمسك بصمودنا وإيماننا بحقنا في الحياة والكرامة. هذه التجربة ستبقى محفورة في ذاكرتنا، ولن تفارقنا آثارها النفسية والجسدية، لكنها لن تمحو إرادتنا في البقاء والاستمرار.