يدين المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان جرائم القتل الجديدة التي ارتكبها مستوطنون مسلحون بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، والتي أسفرت عن مقتل أربعة مواطنين فلسطينيين في رام الله والخليل في الضفة الغربية. وتمثل هذه الجرائم ثالث حادثة قتل منذ مطلع شهر مارس الجاري، بعد مقتل شقيقين في قرية قريوت شرقي نابلس في الثاني من الشهر نفسه، في سياق موجة عنف متصاعدة ينفذها المستوطنون تحت حماية قوات الاحتلال وبدعم سياسي وقضائي إسرائيلي.
ووفق إفادات شهود عيان عن مقتل مدنيين فلسطينيين بنيران المستوطنين، وثالث باعتداءات قوات الاحتلال في رام الله، فعند نحو الساعة 02:00 فجر الأحد 8 مارس 2026، وصلت مجموعة من المستوطنين إلى المنطقة الشرقية من قرية أبو فلاح شمال شرقي رام الله، قادمين من البؤر الاستيطانية المقامة على التلال المحيطة، وأبرزها البؤرة المعروفة باسم “أور نحمان”. وقدر عددهم بنحو 50 إلى 70 مستوطنًا يحملون أسلحة نارية ويرتدون ملابس سوداء، فيما أخفى بعضهم وجوههم بأقنعة سوداء.
ومع وصولهم إلى الأراضي القريبة من القرية اندلعت مواجهات مع شبان فلسطينيين حاولوا التصدي لهم ورشقوهم بالحجارة لمنعهم من التقدم أو الاعتداء على ممتلكات المواطنين. واستمرت المواجهات نحو ساعة، أطلق خلالها المستوطنون الرصاص الحي باتجاه الشبان، ما أدى إلى مقتل مواطنين وإصابة أربعة آخرين بالرصاص إضافة إلى إصابة اثنين بالحجارة.
والقتيلان هما المواطن فارع جودات حمايل (57 عامًا)، الذي أصيب بعيار ناري في الرأس في بداية المواجهات، والشاب ثائر فاروق حمايل (24 عامًا)، الذي أصيب بعيار ناري في الرأس بعدما تقدم مستوطنون نحو التلة التي كان يتمركز عليها الشبان ولاحقوهم باتجاه أطراف البلدة. وبعد انتهاء المواجهات وإصابة عدد من الشبان، أقدم المستوطنون على إحراق غرفة زراعية قبل مغادرتهم المكان.
وبعد نحو ساعة من اندلاع المواجهات وصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى محيط القرية، لكنها لم تتدخل لوقف اعتداء المستوطنين، بل أطلقت كميات كبيرة من قنابل الغاز المسيل للدموع باتجاه الشبان الفلسطينيين ولاحقتهم حتى أطراف البلدة لإجبارهم على الانسحاب. وأدى الاستخدام المكثف للغاز داخل المنطقة السكنية إلى حالات اختناق بين المواطنين، بينها حالة المواطن محمد حسين مرة (55 عامًا) الذي توفي لاحقًا نتيجة الاختناق.
وأظهر التحقيق الميداني الأولي الذي أجرته باحثة المركز في قرية أبو فلاح أن الهجوم اتسم بطابع منظم، من حيث عدد المستوطنين وارتداؤهم ملابس موحدة وإخفاء وجوههم واستخدامهم أسلحة نارية. كما تشير إفادات الشهود إلى أن ملاحقة الشبان خارج موقع الحدث وإطلاق النار عليهم، إضافة إلى إحراق منشأة زراعية بعد انتهاء المواجهات، يعكس تصعيدًا خطيرًا في اعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية شمال شرقي رام الله.
وتشير طريقة تدخل قوات الاحتلال إلى نمط متكرر يتمثل في التأخر في وقف اعتداءات المستوطنين مقابل الإسراع في استخدام القوة لتفريق الفلسطينيين. فقد وصلت القوات بعد سقوط قتلى وجرحى بين الفلسطينيين، لكنها لم تتخذ إجراءات لمنع المستوطنين من مواصلة اعتداءاتهم أو ملاحقتهم، بل ركزت على تفريق الشبان باستخدام قنابل الغاز بكثافة، ما أدى إلى تفاقم الوضع الميداني وحدوث حالات اختناق بينها وفاة المواطن مرة.
وفي حادثة أخرى، قتل مواطن وأصيب شقيقه برصاص مستوطن يرتدي زي الجيش الإسرائيلي في الخليل. فعند نحو الساعة 15:00 من يوم السبت 7 مارس 2026، وصل أربعة مستوطنين يحملون هراوات وبرفقتهم قطيع من الأبقار إلى منطقة واد الرخيم جنوبي مدينة يطا، قادمين من بؤرة استيطانية مقامة على أراضي المواطنين المصادرة قرب معسكر سوسيا، بهدف رعي الأبقار في أراضي المواطنين. وعندما توجه عدد من أفراد عائلة شناران إلى أراضيهم لمنع ذلك، هاجمهم المستوطنون واعتدوا عليهم بالهراوات، ما أسفر عن إصابة عدد منهم بجروح. وبعد نحو نصف ساعة وصلت مركبة رباعية الدفع من نوع “تركترون” يقودها مستوطن يرتدي زي الجيش الإسرائيلي يعرف بين المواطنين باسم “لوريا لوسكي”، وهو يقطن في البؤرة الاستيطانية، وينفذ اعتداءات بين الحين والآخر على السكان، وأطلق النار باتجاه المواطنين، ما أدى إلى إصابة المواطن أمير شناران (29 عامًا) بعيار ناري في العنق، وشقيقه خالد (34 عامًا) بعيار ناري في الصدر.
بقي المصابان على الأرض قرابة 15 دقيقة قبل وصول مركبات الإسعاف التي نقلتهما إلى المستشفى الحكومي في يطا، حيث أعلن عن وفاة أمير شناران متأثرًا بإصابته، فيما نقل خالد إلى المستشفى الأهلي في الخليل وخضع لعملية جراحية ولا يزال يتلقى العلاج في قسم العناية المكثفة.
وبذلك يرتفع عدد المواطنين الذين قتلوا منذ بداية العام على يد المستوطنين إلى ستة، فيما بلغ عدد الذين قتلوا برصاص قوات الاحتلال والمستوطنين معًا 18 مواطنًا، بينهم ثلاثة أطفال.
يؤكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن هذه الجرائم تأتي في سياق عنف منهجي يتحمل الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عنه، في ظل دعم سياسي يوفر الحماية للمستوطنين ويضمن إفلاتهم من العقاب.
ويذكر المركز بالرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو 2024، الذي أكد عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وألزم إسرائيل بإنهاء وجودها غير القانوني فورًا، بما في ذلك تفكيك المستوطنات وإخلاء المستوطنين.
ويجدد المركز دعوته إلى تحرك دولي عاجل وفعال لوقف جرائم قوات الاحتلال والمستوطنين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وإنهاء نظام الفصل العنصري الذي تفرضه إسرائيل على الشعب الفلسطيني، ومساءلة مرتكبي جرائم الحرب أمام العدالة الدولية، وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، وتوفير الحماية الدولية للمدنيين الفلسطينيين، ووقف جميع أشكال الدعم الدولي التي تمكّن إسرائيل من الاستمرار في سياساتها الاستعمارية والعنصرية.