مارس 26, 2025
إيمان الكفارنة: معاناة نزوح وعذاب في ظل القصف والحصار
مشاركة
إيمان الكفارنة: معاناة نزوح وعذاب في ظل القصف والحصار

تاريخ تحرير الإفادة: 13/3/2025

أنا إيمان بسام حسن الكفارنة، 30 عامًا، من سكان بيت حانون شمال غزة، متزوجة من محمود سعد عبد الله الكفارنة، وأم لثلاثة أطفال: سراج، 7 سنوات، التوأم كرمل، وريتال، سنتان.

في الساعات الأولى من صباح 7 أكتوبر 2023، اضطررنا إلى مغادرة منزلنا في بيت حانون متجهين إلى منزل جدي في شارع فايز حمد. لكن سرعان ما طالتنا نيران القصف، وانهالت علينا رسائل الجيش الإسرائيلي تطالبنا بالنزوح، فخرجنا مذعورين وسط الظلام وتحت القصف المستمر. كانت ليلة أشبه بالقيامة. وجدنا أنفسنا نركض بلا وعي حتى وصلنا إلى معسكر جباليا واحتمينا بمدرسة أبو زيتون.

في بيت حانون، رفض والدي مغادرة منزله رغم التحذيرات. بقي هناك وحيدًا، ولم نسمع عنه شيئًا طوال ثلاثة أشهر. بعدها أُبلغنا بأنه استشهد تحت أنقاض المنزل الذي دُمّر بالقصف. لم نودّعه، ولم يدفنه أحد، ولا تزال جثته هناك.

بقينا في مدرسة أبو زيتون قرابة شهرين، ثم انتقلنا إلى عيادة الفاخورة التابعة للأونروا، حيث مكثنا شهرًا آخر تحت وطأة القصف والحصار. لاحقًا، عدنا إلى بيت حانون لكن ليس إلى منزلنا، بل إلى مدرسة غازي الشوا، حيث قضينا هناك سبعة أشهر حتى يوليو 2024، حوصرنا من قبل الدبابات الاسرائيلية لمدة 20 يومًا. عشنا على الأعشاب البرية وما تبقى لدينا من مساعدات ممزوجة بالطحين والرمل، وشربنا مياهًا غير صالحة، ثم خلطنا الطحين بالأعلاف لنصنع بعضاً من الخبز، كان يشبه كل شيء إلا رغيف الخبز.

تزامن حصارنا مع حصار زوجي في جباليا، ولم يكن بمقدورنا الاجتماع طوال عشرين يومًا من الخطر المستمر. خلال تلك الفترة، قصفوا الطابق العلوي للمدرسة التي احتمينا بها في محاولة لإجبارنا على المغادرة، لكننا تشبثنا بالبقاء. كنا نعتمد على البقوليات والمعلبات التي قمنا بتخزينها للبقاء على قيد الحياة، فيما تراكمت المسؤوليات على كاهلي، خاصة في ظل غياب زوجي، الذي كان وجوده يعني لنا الأمان.

عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من المنطقة وخفّ الحصار قليلاً، قررنا أخيرًا التوجه إلى منزل شقيق زوجي في معسكر جباليا، حيث أمضينا هناك ثلاثة أشهر، نلتقط أنفاسنا بعد أيام طويلة من الخوف والحرمان.

في أكتوبر 2024، اندلعت العملية العسكرية الثانية في جباليا، وبدأت تصلنا مجددًا رسائل تطالبنا بإخلاء المنطقة. جاءت العملية بشكل مفاجئ، ليعود الحصار وكأنه لن ينتهي أبدًا. تمكنا من الخروج بأعجوبة، لكننا لم نتجه نحو مدينة غزة، إذ لم يكن لنا فيها أي معارف، فقررنا المخاطرة والعودة إلى بيت حانون.

هذه المرة، لم نلجأ إلى مدرسة غازي الشوا، بل بقينا في منزل يعود لمعارفنا. قضينا شهرًا ونصفًا هناك، كانت من أصعب الفترات التي مررنا بها؛ لم يكن هناك دواء، ولا ماء، ولا حليب للأطفال، وحتى حفاضات الطفلتين لم تكن متوفرة.

مع بداية نوفمبر 2024، أطبقت الدبابات الحصار علينا، والمسيرات (الكواد كابتر) كانت تحلق في كل مكان، تراقب كل حركة لمئات المحاصرين معنا. كانت المدفعية تقصف بشكل عشوائي، ولم يكن أمامنا أي مهرب، حتى صدر الأمر: “يجب على الجميع إخلاء المنازل والمدارس والتحرك وفق مسار محدد ينتهي عند طريق صلاح الدين.” جاء ذلك في السادسة صباحًا، عقب ليلة مرعبة من القصف العشوائي، حيث لم يكن هناك سوى لون الدم والخوف الذي لم يهدأ.

كان زوجي يخشى الاعتقال، فاضطررت للمضي مع الأطفال وحدي وفقًا للأوامر العسكرية، التي لم تكن تعني بالضرورة النجاة. لم يكن هناك أي ضمان، لم يكن هناك أي أمان، والجميع كان مستهدفًا. سرنا في النهاية تحت حصار الدبابات والجنود حتى وصلنا إلى منطقة الإدارة المدنية، وهناك فصلوا الرجال عن النساء والأطفال، ولم يُسمح لهم بإكمال الطريق. توقفوا هناك، وبقي مصيرهم مجهولًا تمامًا.

كان المسار الذي فرضه علينا الجيش الإسرائيلي طريقًا للموت، حيث سقط العديد من الشهداء برصاص القناصة والقصف العشوائي. لم يجرؤ أحد على التوقف لمساعدتهم أو حتى الاقتراب منهم، فقد كان علينا السير في طريق واحد لا مجال للحياد عنه، حتى لو فقدنا شيئًا ثمينًا، حتى لو ضاع منا أحد أطفالنا، لم يكن بإمكاننا الالتفات أو العودة للبحث عنه.

كان الجنود يصرخون عبر مكبرات الصوت: هذا هو موتكم يا غزة!”، يلتقطون الصور لنا، يستهزئون بنا ويضحكون بصوت عالٍ. لقد أذلونا، وجعلوا من معاناتنا مشهدًا للتسلية.

بعد مسيرة طويلة ومضنية، وصلنا أخيرًا إلى مدينة غزة. قضينا ليلتنا الأولى – والأخيرة – في مدرسة اليرموك، وسط البرد القارس والجوع الذي لم أعرف كيف أسكته عن أطفالي. في صباح اليوم التالي، اتخذت قرارًا حاسمًا: كان عليّ الرحيل، فقد كانت عائلتي قد انتقلت إلى جنوب المدينة في وقت سابق، بينما وجدت نفسي وحدي في غزة، دون أي معارف، وسط صعوبة شديدة في تأمين الطعام والشراب.

اخترنا طريق البحر، رغم وعورته والبرد القارس، وكان الأطفال يبكون من الإرهاق والخوف طوال الطريق. انتظرنا ثلاث ساعات أمام الحاجز حتى سمح لنا الجنود بالعبور، لكنهم لم يفتحوا البوابة، بل أمرونا بالزحف تحتها، كنا كقطيع بشري يُداس بكرامته. ولم ننجُ منهم حتى بعد تجاوز الحاجز، إذ لاحقتنا رشقات رصاصهم، أصابت أمتعتنا وأتلفتها.

رفضوا إعطاءنا حتى شربة ماء، وبقيت البنات يتضورن جوعًا، حتى وجدنا بعض التحاميل الطبية ملقاة على الأرض، فتناولتها الطفلتان بديلًا عن الطعام. لم يكن ذلك كافيًا، فحتى الكلاب الضالة هاجمتنا في طريق النزوح.

واصلنا الطريق سيرًا على الأقدام حتى وصلنا إلى المستشفى الميداني الأمريكي، حيث استقبلنا الطاقم الطبي وقدموا لنا الطعام والماء. قضينا ليلتنا هناك، في مساحة بدت أكثر أمانًا مما عرفناه طوال الرحلة.

لكن الأصعب في غزة لم يكن فقط القصف المستمر، بل النزوح المتكرر والمفاجئ، والمجاعة التي لم ترحم أحدًا. اضطررنا إلى مغادرة غزة والشمال في منتصف نوفمبر 2024، بعد رحلة شاقة لم يكن الجنوب في نهايتها الفردوس الذي تصورناه، ولم يكن مكافأة للقلوب المرهقة على صبرها الطويل. لا أذكر تاريخ النزوح بدقة، ولا أريد تذكره.

الخيمة ليست مأوى، بل معاناة تتجدد كل يوم، ولم تكن لدينا الطاقة الكافية لإنهائها. نصبنا خيمتنا مقابل بحر غزة، حيث كان البرد قارسًا لا يُحتمل. كنت أعاني من أزمة صحية في الشتاء تجعل يديّ متورمتين وقدميّ منتفختين، تمنعني من النوم لشدة البرد، بينما قماش الخيمة لا يصلح لحياة بشرية، لا يحمينا من صقيع الشتاء أو لهيب الصيف، ولا يعزلنا عن العالم الخارجي، ولا يوفر لنا الأمان. كانت الخيمة امتدادًا للشارع، فلم نكن نعيش فيها، بل كنا نعيش في العراء. لا شيء يمكن أن يعوض بيت الإنسان.

لم يكن لدي ملابس ثقيلة ولا أغطية كافية، ولم أستطع حتى ممارسة أبسط حقوقي في قضاء حاجتي في مكان مناسب، إذ لم تكن هناك دورات مياه، فاضطررت لاستخدام السطل. داخل الخيمة، امتزجت غرفة المعيشة بالمطبخ، بالحمام، بغرفة النوم. كانت كل شيء، لكنها لم تكن شيئًا.

عند وصولنا إلى جنوب مدينة غزة، وتحديدًا إلى دير البلح، تمكنا في البداية من الاتصال بزوجي والاطمئنان عليه، ولكن سرعان ما انقطع الاتصال به تمامًا. آخر ما أخبرنا به كان أن قوات الجيش الإسرائيلي توغلت في المنطقة، واعتقلت جميع المواطنين أو أوقعتهم بين قتيل وجريح. منذ تلك اللحظة، لم نعد نعرف عنه شيئًا. كان أطفالي يبكون كل ليلة، يسألون عن والدهم، وأنا لا أملك لهم سوى الصبر والدعاء.

عندما فُتحت الطريق بين شمال وجنوب غزة في نهاية يناير الماضي، عدتُ مع أطفالي إلى بيت حانون، رغم علمنا بأن منزلنا قد دُمّر. ولكننا وجدنا زوجي، وهذا وحده كان كافيًا ليعيد إلينا الحياة من جديد. لم نتخيل أنه طوال فترة انقطاع أخباره كان يختبئ في الشمال، غير قادر على العثور على أي وسيلة للاتصال بنا ليطمئننا أنه على قيد الحياة.

نحن نقيم حاليًا في مركز إيواء بمنطقة الكراج في بيت حانون، داخل صف دراسي أصبح مأوانا. هذه هي حياتنا الآن، وسط بنية تحتية مدمرة، دون مياه نظيفة أو غذاء جيد.

لم نستطع حتى الآن الوصول إلى منطقة البورة شرقي بيت حانون، حيث لا يزال والدي تحت ركام منزله، ولا نتمكن من دفنه. المنطقة قريبة من الحدود، ويحتلها الجيش الإسرائيلي، وأي محاولة للاقتراب تعني الموت المحتم.

نحلم بنهاية هذا العذاب، وبعودة غزة كما كانت، وطنًا يعيد الأمل لأبنائه.