يدين المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان استمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي في ارتكاب أفعال الإبادة الجماعية في قطاع غزة، عبر مواصلة القتل والتدمير المنهجي لمقومات الحياة، بوتيرة متصاعدة وإن بدت صامتة، مستغلة انشغال المجتمع الدولي بالحرب الدائرة مع إيران وما يرافقها من تراجع واضح في الاهتمام الدولي بالوضع الإنساني الكارثي في القطاع ومجمل الأرض الفلسطينية المحتلة.
ترتكب قوات الاحتلال هذه الجرائم في سياق سياسة منهجية تستهدف السكان المدنيين، عبر الهجمات الجوية المباشرة على المنازل والتجمعات السكنية والأسواق الشعبية، بالتزامن مع استمرار الحصار وإغلاق المعابر وفرض قيود مشددة على دخول المساعدات الإنسانية والوقود والسلع الأساسية، الأمر الذي يفاقم الانهيار الإنساني ويعمق معاناة أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في ظروف كارثية غير مسبوقة.
ففي أحدث الجرائم التي وثقها باحثو المركز، هاجمت طائرات الاحتلال عند حوالي الساعة 16:03 من يوم الأحد الموافق 15/3/2026، مركبة للشرطة في قطاع غزة، على مدخل بلدة الزوايدة في المحافظة الوسطى، ما أدى إلى مقتل 8 منهم، أحدهم مدير شرطة التدخل بالمحافظة الوسطى إياد أبو يوسف. وتأتي هذه الجريمة في سياق استهداف متكرر لعناصر الشرطة والأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون في قطاع غزة، ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى تقويض منظومة الأمن الداخلي وإضعاف قدرة المؤسسات المدنية على إدارة الحياة العامة. ويسهم هذا الاستهداف المباشر في تعطيل جهود حفظ النظام وحماية الممتلكات وتنظيم توزيع المساعدات الإنسانية، بما يخلق بيئة من الفوضى وانعدام الاستقرار، ويضاعف من معاناة السكان المدنيين في ظل الظروف الإنسانية القاسية التي يعيشها القطاع.
وهاجمت طائرة مسيّرة إسرائيلية مفخخة عند حوالي الساعة 07:05 من صباح اليوم نفسه، شقة سكنية في منزل لعائلة عياش في منطقة السوارحة جنوب غرب مخيم النصيرات في المحافظة الوسطى. أسفر القصف عن مقتل أربعة مواطنين، بينهم زوجان وطفلهما وطفل من الجيران، إضافة إلى إصابة عدد من المواطنين بجراح متفاوتة. والقتلى هم: كامل عبد الناصر كامل عياش (36 عاماً) وزوجته حليمة محمد كامل عياش (36 عاماً)، وكانت حاملاً بتوأم في شهرها السابع، وطفلهما، أحمد كامل (8 أعوام)، وإبراهيم محمد إبراهيم الحسنات (10 أعوام) وهو نازح يقيم في منزل مجاور للمنزل الذي تعرض للاستهداف.
واستهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية عند حوالي الساعة 15:40 من يوم الجمعة 13/3/2026، بصاروخ مجموعة من المواطنين في شارع مشتهى في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، ما أسفر عن مقتل ثلاثة مواطنين، أحدهم طفل، وإصابة آخرين بجراح. والقتلى هم: محمد ساهر مصطفى السيقلي (17 عاماً)، وعبد الله تيسير شومر (20 عاماً)، ويونس سائد محمد عياد (19 عاماً).
كما هاجمت طائرة مسيّرة إسرائيلية عند حوالي الساعة 13:10 من يوم الأربعاء الموافق 11/3/2026 بسطةً شعبية لبيع الأدوات المنزلية في محيط دوار حيدر غرب مدينة غزة، ما أدى إلى مقتل المواطن باسل محمود صالح أبو وردة (37 عاماً) وإصابة سبعة مواطنين آخرين بجراح متفاوتة.
ووفق متابعة باحثي المركز، لم تتوقف قوات الاحتلال منذ إعلان وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 عن تنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي وإطلاق نار، إلى جانب عمليات نسف متكررة داخل المناطق الواقعة ضمن ما يعرف بالخط الأصفر، بهدف تدمير ما تبقى من منازل ومبانٍ. وأسفرت هذه الاعتداءات حتى الآن عن مقتل 663 مواطنًا وإصابة أكثر من 1762 آخرين، وفق بيانات وزارة الصحة. وبذلك ترتفع الحصيلة التراكمية منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023 إلى 72,239 قتيلاً، و171,861 جريحًا.
وبموازاة ذلك، تتفاقم الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، مع استمرار إسرائيل في إغلاق معبر رفح البري منذ 28/2/2026، ما يحرم آلاف المرضى والجرحى والطلبة وحملة الإقامات الخارجية من حقهم في التنقل والعلاج. كما تستمر سلطات الاحتلال في فرض قيود إضافية على حركة نقل البضائع والمساعدات عبر معبر كرم أبو سالم التجاري، حيث إن ما دخل فعلياً لا يتجاوز 41 % من إجمالي الشاحنات المتفق عليها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.
يؤكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن استمرار قوات الاحتلال في عمليات القتل الواسعة واستهداف المدنيين، بالتزامن مع سياسة التجويع والحصار وإغلاق المعابر، يشكل نمطاً متكاملاً من الأفعال التي ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية وفق أحكام القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.
يطالب المركز المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف الجرائم الجارية في قطاع غزة، وفرض إدخال المساعدات الإنسانية دون قيود، وضمان فتح المعابر وفي مقدمتها معبر رفح، وتوفير حماية دولية فورية للسكان المدنيين، مع العمل على محاسبة قادة الاحتلال المسؤولين عن الجرائم المرتكبة أمام آليات العدالة الدولية.