“لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها للآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود.“
(المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للعام 1948)
“لكل فرد الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود سواء على شكل مكتوب أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى.“
(المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للعام 1966)
“يعد الصحفيون الذين يباشرون مهمات مهنية خطرة في مناطق المنازعات المسلحة أشخاصاً مدنيين.” وتضيف تلك المادة أن هؤلاء الصحفيون “يجب حمايتهم بهذه الصفة بمقتضى أحكام الاتفاقيات وهذا البروتوكول شريطة ألا يقوموا بأي عمل يسئ إلى وضعهم كأشخاص مدنيين.”
( المادة 79 من البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب 1949)
مقدمة:
يأتي هذا التقرير الخاص بالممارسات الإسرائيلية بحق الصحافة في سياق جهود المركز الرامية إلى رص وتوثيق الممارسات الإسرائيلية بحق الصحفيين والعاملين في وكالات الأنباء المحلية والعالمية خلال انتفاضة الأقصى. فمنذ انطلاق تلك الانتفاضة في التاسع والعشرين من سبتمبر من العام 2000، والمركز يتابع عن كثب الممارسات الإسرائيلية بحق الصحافة والعاملين في وكالات الأنباء المحلية والعالمية، حيث أصدر، في هذا الصدد، أربعة تقارير رصدت ووثقت مختلف أشكال الممارسات الإسرائيلية بحق الصحافة خلال الفترة ما بين 29/9/2000-29/6/2001. وقد وثق المركز في تلك التقارير 134 حالة اعتداء على الصحافة، شملت 51 حالة إطلاق نار على صحفيين أدت إلى وقوع إصابات، 23 حالة إطلاق نار بدون إصابات، 26 حالة اعتداء بالضرب والإهانة، 16 حالة احتجاز، استجواب، واعتقال صحفيين، 10 حالات اعتداء وتدمير معدات صحفية، و 8 حالات قصف لمقرات ومؤسسات إعلامية مرئية ومسموعة.[1] واستكمالا لتلك الجهود، يضع المركز بين يدي القارئ تقريره الخامس من نوعه الخاص بتلك الممارسات خلال الفترة ما بين 30/6/- 29/8/2001.
وكانت الفترة قيد البحث قد شهدت تصعيداً نوعياً خطيراً في الممارسات الإسرائيلية بحق الصحافة، حيث قتلت قوات الاحتلال، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ انطلاق انتفاضة الأقصى، أثنين من الصحفيين الفلسطينيين أثناء تأديتهم لواجبهم المهني، وهما: 1) محمد البيشاوي، 27 عاماً، ويعمل مصوراً لصحيفة الحياة الجديدة، ولمجلة “صوت الحق” الأسبوعية التي تصدر داخل أراضي ألـ 48؛ و2) الصحافي عثمان إبراهيم عبد القادر القطناني، 24 عاماً، ويعمل لصالح مكتب نابلس المقدسي للصحافة، ولوكالة الأخبار الكويتية (KONA). كما أطلقت النار باتجاه إثنا عشر صحفياً، فأصابت ستة، ولم تلحق أي أذى بالستة الآخرين. هذا إلى جانب اعتداءها بالضرب والإهانة على ثمانية عشر صحفياً، واستجوابها لخمسة آخرين، بعد توقيفهم على الحواجز العسكرية التي أقامتها على مداخل المدن، القرى، والمخيمات الفلسطينية، ومنعهم من الدخول إلى مناطق معينة لتغطية أحداث فيها. ولم تتوانَ قوات الاحتلال، خلال الفترة قيد البحث، عن قصف العديد من محطات الإعلام المرئية والمسموعة وإحداث أضرار بالغة فيها، حيث شهدت نفس الفترة خمس حالات قصفت فيها قوات الاحتلال محطات إعلامية مرئية ومسموعة، لكي يبلغ مجمل الاعتداءات الإسرائيلية على الصحافة خلال الفترة قيد البحث 42 حالة اعتداء.
وتشكل تلك الممارسات انتهاكاً سافراً لجميع الأعراف والمواثيق الدولية ذات العلاقة، وخصوصاً الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يؤكد في مادته ألـ (19) على الحق في حرية التعبير كأحد حقوق الإنسان الأساسية، والحق في البحث عن المعلومات واستقبالها دون قيود، كضمانة أساسية لممارسة الحق في حرية التعبير. كما تنتهك تلك الممارسات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للعام 1966 الذي يؤكد في مادته ألـ (19) على أنه “لكل فرد الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار، وتلقيها ونقلها للآخرين، دونما اعتبار للحدود سواء على شكل مكتوب أو في قالب فني أو أية وسيلة أخرى”. هذا إلى جانب انتهاكها للمادة (79) من البروتوكول الأول الملحق لاتفاقيات جنيف الرابعة للعام 1949 بشأن حماية المدنيين في زمن الحرب التي تمنح الصحافيين ضمانات خاصة عندما تعتبر أن الصحافيين “الذين يباشرون مهمات مهنية خطرة في مناطق المنازعات المسلحة أشخاصاً مدنيين”. وتؤكد على أنه “يجب حمايتهم بهذه الصفة بمقتضى أحكام الاتفاقيات وهذا البروتوكول شريطة ألا يقوموا بأي عمل يسئ إلى وضعهم كأشخاص مدنيين”.
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ينظر بخطورة بالغة إلى هذه الأعمال التي تنفذها قوات الاحتلال بحق الصحافيين والعاملين في وكالات الأنباء المحلية والعالمية. وحسب التوثيقات التي يجمعها المركز فان العديد من تلك الاعتداءات كان عمداً وبشكل مقصود. وقد كانت أبرز حالات الاعتداء التي وثقها المركز خلال الفترة قيد البحث ما يلي :
بتاريخ 1/7/2001: منعت قوات الاحتلال المتواجدة على حاجز عسكري أقامته في منطقة دير ابزيع وعين عريك في رام الله، ثلاثة صحفيين من القيام بعملهم في تصوير وعقد لقاءات مع مواطنين فلسطينيين كانوا ينتظرون قوات الاحتلال للسماح لهم بالمرور عبر الحاجز. والصحفيين الثلاثة هم: 1) محمود خلف، 24 عاماً ويعمل لوكالة “وفا” الفلسطينية؛ 2) عمر عواد، 21 عاماً، ويعمل مصوراً فوتوغرافياً لوكالة رويتر؛ و3) محمد صديق، 24 عاماً ومصور فوتوغرافي يعمل لحسابه الخاص. وقد أكد الصحافي خلف أن قوات الاحتلال منعتهم من التحدث أو التقاط الصور للمواطنين المتواجدين على الحاجز. وأضاف خلف أنه هو وزميليه الصحفيان عواد وصديق، تعرضوا للتهديد بالسلاح من قبل قوات الاحتلال بعدما حاولوا التحدث والتقاط الصور للمواطنين المتواجدين على الحاجز. وأضاف خلف، أن قوات الاحتلال أرغمتهم على مغادرة المنطقة، دون أن يستكملوا عملهم الصحفي.
بتاريخ 6/7/2001: وفي ساعات الظهر، أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي النار باتجاه الصحافي لؤي أبو هيكل، 25 عاماً، وصحافي مصور في وكالة رويتر، فأصابته بعيار معدني في فخذه الأيمن. وقع الحادث أثناء تغطية الصحافي المذكور لأحداث المظاهرة التي نظمها المدنيون الفلسطينيون في شارع الشلالة في مدينة الخليل احتجاجاً على الهجمات المتكررة التي يشنها المستوطنين وجنود الاحتلال ضد السكان الفلسطينيين في المدينة.
بتاريخ 12/7/2001: تعرضت محطتي راديو “مرح”، وتلفزيون “النورس” في مدينة الخليل، للقصف من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي أدى إلى وقوع أضرار جسيمة في محطات البث التابعة لكليهما. وقد جاء قصف المحطتين في إطار القصف الشامل الذي تعرضت له عدة أحياء سكنية في مدينة الخليل واستمر على مدار ليلة كاملة. واعتبر فوزي دعنا، مدير محطة راديو “مرح” المحلية، أن قصف قوات الاحتلال لكلتا المحطتين جاء نتيجة الدور الذي تلعبها في تغطية ممارسات الاحتلال في المدينة، وخصوصاً في تلك الليلة، حيث كانتا تبثان عمليات القصف الإسرائيلي للأحياء السكنية في المدينة بشكل حي ومباشر.
بتاريخ 16/7/2001: قصفت الدبابات الإسرائيلية مقر تلفزيون “مجد” الخاص، مما أدى إلى تعطيل عمل التلفزيون، بعدما تقطعت الكوابل وتضررت الاثيناث الخاصة بالتلفزيون، إلى جانب تعطيل إحدى وحدات البث الرئيسية التابعة للتلفزيون. وقد قدرت الخسائر التي لحقت بالتلفزيون جراء القصف بحوالي 25 ألف دولار أمريكي (25,000 $). كما قصفت، وللمرة الثانية خلال أقل من أسبوع، محطتي راديو “مرح” المحلية، وتلفزيون “النورس“ وأُلحقت أضرار جسيمة بهما. وقد وقعت تلك الحوادث عندما قامت الدبابات الإسرائيلية في فجر ذلك اليوم باقتحام مدينة الخليل وقصف كافة أحياءها بالمدفعية والرشاشات الثقيلة.
بتاريخ 19/7/2001: وفي حوالي الساعة 6:30 مساءً، تعرض أربعة صحفيين، من بينهم أجنبيان، لإطلاق نار من قبل قوات الاحتلال، أثناء تأديتهم لعملهم الصحفي في مدينة الخليل. والصحفيين، الذين لم يصب أياً منهم بأذى، هم: 1) كريس دين هوند (Chris Den Hond)، بلجيكي الجنسية، ويعمل لقناة التلفزيون الفضائية الكردية (Medya TV)، وعضو في نقابة الصحافيين البلجيكية؛ 2) ميريه كور (Mireille Court)، فرنسية الجنسية وتعمل لحسابها الخاص؛ 3) مازن دعنا، مصور لوكالة رويتر؛ و4) نائل الشيوخي، مراسل ومصور لوكالة رويتر. وتؤكد الأدلة أن الرصاص الذي أطلقه جنود الاحتلال قد استهدف الصحفيين المذكورين، حيث كانت الأجهزة والمعدات الصحفية التي بحوزتهم تميزهم كصحفيين، يقومون بواجبهم المهني دون أي تحيز، ولم يكن هناك أيةً مواجهات تذكر في المنطقة تستدعي إطلاق النار من قبل قوات الاحتلال. هذا ما أفاد به الصحفيان هوند وكور عندما أكدا في إفادتهما للمركز ما يلي: