يشهد قطاع غزة أزمة حادة ومتفاقمة في توافر الأدوية الأساسية والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية، في ظل عجز متزايد للمرافق الصحية عن تلبية الاحتياجات العلاجية لمئات الآلاف من المرضى، ولا سيما المصابين بأمراض السرطان والفشل الكلوي والأمراض المزمنة. ويرى المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن استمرار القيود التي تفرضها قوات الاحتلال الإسرائيلي على إدخال الأدوية والمستهلكات والتجهيزات الطبية، بالتوازي مع عرقلة إعادة تأهيل المرافق الصحية التي دُمّرت وإعادة تشغيلها، يشكّل امتداداً لسياسة الخنق الطبي الشامل التي تنتهجها بحق السكان المدنيين في قطاع غزة، والتي تستهدف تقويض مقومات النظام الصحي وشل قدرته على تقديم الخدمات الطبية والعلاجية.
ويؤكد المركز أن الحرمان المتعمد والمستمر للسكان المدنيين في قطاع غزة من الأدوية الأساسية والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية، وما يترتب عليه من حرمان المرضى من العلاج، وتعطيل التشخيص والتدخلات الطبية المنقذة للحياة، والتسبب في معاناة جسدية شديدة ووفيات كان بالإمكان تفاديها، يشكل إخضاعاً للسكان لظروف معيشية من شأنها تهديد بقائهم المادي والتسبب في تدميرهم الجسدي كلياً أو جزئياً، وهو ما يندرج في إطار الفعل الثالث من الأفعال المكوّنة لجريمة الإبادة الجماعية، المنصوص عليه في المادة الثانية (ج) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948.
ويعكس استمرار إسرائيل في عرقلة إدخال الأدوية والمستهلكات الطبية إلى قطاع غزة إمعانها في تحدي المجتمع الدولي ورفضها الامتثال للتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، ولا سيما ما أكدته بشأن ضرورة ضمان وصول الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية، ومنع تفاقم الظروف المعيشية المهددة لحياة المدنيين.
وفي هذا السياق، حذرت منظمة الصحة العالمية من العواقب الخطيرة المترتبة على تأخير إدخال الإمدادات الطبية وفرض القيود عليها، بما يشمل الأدوية المنقذة للحياة والأطراف الصناعية والأجهزة المساعدة، مؤكدة أن هذه القيود تنعكس بصورة مباشرة على صحة المرضى وقدرتهم على الحصول على الخدمات العلاجية الضرورية1. كما أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى استمرار النقص في أدوية الأمراض غير المعدية والأنسولين والمحاليل الوريدية، إلى جانب أدوية التخدير والجراحة والمستهلكات الطبية التخصصية، الأمر الذي يفاقم تدهور قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للاحتياجات الطبية المتزايدة، ويهدد استمرارية تقديم الخدمات الصحية الأساسية والمنقذة للحياة2.
وأفاد د. زكري أبو قمر، مدير عام الصيدلة في وزارة الصحة بقطاع غزة3، لباحث المركز، بأن المخزون الدوائي والمستلزمات الطبية يشهد تدهوراً خطيراً، في ظل استمرار نفاد أعداد كبيرة من الأصناف الدوائية والمستهلكات الطبية ومواد الفحوص المخبرية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على قدرة المرافق الصحية على تقديم الخدمات العلاجية والتشخيصية للمرضى. وأوضح أن نسبة العجز في مخزون الأدوية الأساسية بمستودعات وزارة الصحة بلغت 42%، مع نفاد 263 صنفاً دوائياً من أصل 622 صنفاً معتمداً، فيما بلغت نسبة العجز في المستهلكات الطبية 50%، بعد نفاد 508 أصناف من أصل 1006 أصناف. وأشار إلى أن تداعيات النقص تمتد إلى الأقسام الطبية، إذ بلغت نسبة العجز في خدمات صحة الأم والطفل 56%، وفي خدمات العلاج الكيميائي وأمراض الدم 55%، والرعاية الصحية الأولية 46%، والتطعيمات واللقاحات 37%، وخدمات زراعة وغسيل الكلى 33%، والطوارئ والجراحة والعناية المركزة 31%، فيما وصلت نسبة العجز في خدمات الصحة النفسية إلى 30%. كما تواجه بعض الأقسام التشخيصية والتخصصية مستويات حرجة من النقص تهدد قدرتها على الاستمرار في تقديم خدماتها، حيث وصل العجز إلى 100% في مختبرات الصحة العامة وعلم المناعة وفحوصات دلالات الأورام، فيما بلغت نسبة العجز في مستلزمات علم الأمراض النسيجية 97%، وجراحة العيون 91%، وفحوصات غازات الدم والأملاح 91%، بينما سجلت خدمات جراحة القلب المفتوح والقسطرة القلبية عجزاً بنسبة 73%.
وتكشف هذه المؤشرات عن تراجع خطير في قدرة النظام الصحي على توفير الأدوية وإجراء الفحوصات اللازمة وتشغيل الخدمات الطبية التخصصية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على فرص المرضى في الحصول على التشخيص والعلاج في الوقت المناسب، ولا سيما مرضى السرطان وأمراض الدم والكلى، والنساء والأطفال، والمرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات جراحية ورعاية طبية متخصصة. ومن شأن استمرار نفاد الأصناف الدوائية والمستهلكات الطبية ومواد الفحوص المخبرية، دون توفير إمدادات بديلة بصورة عاجلة ومنتظمة، أن يؤدي إلى تعطيل المزيد من الخدمات الصحية، وتأخير التشخيص والعلاج، وزيادة المخاطر الصحية التي يتعرض لها المرضى، في ظل محدودية قدرة المرافق الصحية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان.
وتتفاقم الأزمة بصورة خاصة بالنسبة لمرضى السرطان، الذين يحتاجون إلى علاجات تخصصية منتظمة لا يمكن استبدالها بسهولة أو تأجيلها دون مخاطر. ووفقاً لأحدث بيانات وزارة الصحة الفلسطينية4 الصادرة في 5 نوفمبر 2026، فقد بلغ العجز في خدمات العلاج الكيميائي وأمراض الدم 55%، نتيجة نفاد أصناف أساسية من العلاجات الكيميائية والهرمونية وأدوية تثبيط المناعة وعوامل التجلط، الأمر الذي أدى إلى تعطل البروتوكولات العلاجية لآلاف المرضى، وعرّض حياتهم لمضاعفات صحية خطيرة.
المريضة مروة سليمان سالم شراب، 54 عاماً، تعاني من سرطان المعدة، من منطقة معن بخان يونس ونازحة حالياً في دير البلح5، أفادت لباحث المركز بما يلي:
“بدأت أعاني من آلام في المعدة ومغص وإمساك منذ شهر مايو 2026، وبعد إجراء الفحوصات وأخذ عينات من المعدة، أظهرت نتائج التحاليل إصابتي بورم خبيث (سرطان المعدة). وفي شهر سبتمبر 2026، بدأت بتلقي العلاج الكيميائي في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس، وفق البروتوكول العلاجي المقرر لحالتي. إلا أنني لم أتمكن من مواصلة العلاج وفق الخطة المقررة، بسبب نفاد جرعات العلاج الكيميائي الأساسية من المستشفى بعد شهر واحد فقط من بدء العلاج. واضطر الأطباء إلى استبدالها بعقاقير بديلة، لم تكن مطابقة للبروتوكول العلاجي الأساسي المقرر لي. وقد تدهورت حالتي الصحية خلال فترة المرض، وفقدت الكثير من وزني حتى وصل إلى نحو 45 كيلوغراماً. كما أعاني من آلام شديدة ومستمرة بسبب المرض، يصعب عليّ تحملها، ولا تنجح حتى أقوى الأدوية المسكنة المتاحة في تخفيف حدتها بصورة كافية، الأمر الذي يفاقم معاناتي الجسدية والنفسية. وقد حصلت على تقرير طبي وتحويلة للعلاج خارج قطاع غزة، نظرًا لعدم توافر العلاج الكيميائي اللازم لاستكمال علاجي داخل القطاع. ومنذ ذلك الحين، أنتظر الحصول على الموافقة الأمنية من سلطات الاحتلال الإسرائيلي للسماح لي بالسفر عبر معبر رفح البري إلى جمهورية مصر العربية، من أجل استكمال علاجي والحصول على الأدوية والرعاية الطبية اللازمة. إنني أعيش حالة مستمرة من القلق والخوف على حياتي، في ظل عدم توافر العلاج اللازم لحالتي في قطاع غزة، وعدم تمكني من السفر لتلقي العلاج في الخارج، الأمر الذي يحرمني من استكمال علاجي ويعرّض حياتي لمخاطر صحية متزايدة”.
كما يواجه مرضى الفشل الكلوي مخاطر متزايدة نتيجة نقص الأدوية والمستهلكات اللازمة لجلسات الغسيل الدموي، بما فيها الفلاتر والمحاليل والمواد الضرورية لإتمام العلاج. ويشكل أي انقطاع أو اضطراب في جلسات الغسيل تهديداً مباشراً لحياة المرضى، الذين يعتمد بقاؤهم على انتظام هذه الجلسات وتوافر مستلزماتها في مواعيدها المحددة.
وقد أفاد المواطن يوسف إبراهيم علي العثامنة، 53 عاماً، مصاب بالفشل الكلوي، من سكان دير البلح6، لباحث المركز بما يلي:
“أعاني من الفشل الكلوي منذ عام 2021، وسبق أن خضعت لزراعة كلية في نوفمبر من العام نفسه، لكنها فشلت لاحقاً، ما اضطرني إلى العودة لغسيل الكلى منذ فبراير 2023، بمعدل ثلاث جلسات أسبوعياً. ومنذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، تدهورت ظروف تلقي العلاج نتيجة نزوح المرضى إلى المنطقة الوسطى والاكتظاظ ونقص أجهزة الغسيل، ما أدى إلى تقليص مدة الجلسات من أربع ساعات إلى ساعة أو ساعتين في بعض الفترات، وخفض عددها إلى جلستين أسبوعياً، الأمر الذي تسبب لي بالإرهاق والغثيان والتورم وارتفاع ضغط الدم. كما أعاني نقصاً حاداً في الأدوية والمستهلكات الطبية الضرورية، إذ انقطع عني دواء الكالسيوم نحو ستة أشهر، ولم تتوفر إبر الإريثروبويتين (EPO) قرابة عام ونصف، فضلاً عن نقص بيكربونات الصوديوم وعدم توفر بعض أصنافها منذ نحو شهرين. ويزيد من معاناتي تهالك كراسي الغسيل ونقص المستلزمات الطبية، ما يجعل الحصول على جلسات غسيل آمنة ومنتظمة أمراً بالغ الصعوبة”.
كما أفادت المواطنة علا محمد محمد شبات، 28 عاماً، من مدينة بيت حانون شمال قطاع غزة، ونازحة حالياً في غرب مدينة غزة، وهي أم لطفلة مصابة بالفشل الكلوي وارتفاع ضغط الدم7، لباحث المركز بما يلي:
“خلال الحرب، وتحديداً في 3 أبريل 2024، وُلدت طفلتي الصغرى آمنة بعملية قيصرية في مستشفى كمال عدوان، وعندما بلغت نحو ثمانية أشهر بدأت تعاني ارتفاعاً مستمراً في درجة الحرارة وهزالاً شديداً وانتفاخاً في وجهها وجسدها. وأظهرت الفحوصات الطبية إصابتها بتضخم الكبد، وضمور الكلية اليمنى، وارتجاع البول في الكليتين من الدرجة الخامسة، وارتفاع ضغط الدم الناتج عن اعتلال الكلى. تحتاج طفلتي إلى أدوية يومية ومنتظمة لعلاج الكلى وضغط الدم، إلا أنها لا تتوفر بصورة منتظمة في المستشفيات الحكومية أو عيادات وكالة الغوث، ما يضطرنا إلى شرائها من الصيدليات الخاصة إن توافرت بتكلفة تصل إلى 150 شيكلاً أسبوعياً، وهو ما يفوق قدرتنا المالية. كما تحتاج إلى مياه معدنية ونظام غذائي خاص لا نستطيع توفيرهما باستمرار. وتعاني آمنة من انتفاخ المثانة وصعوبة شديدة في التبول وآلامٍ مستمرة، فيما تتدهور حالتها الصحية مع نقص الأدوية والرعاية اللازمة. ونظراً لخطورة حالتها وحاجتها إلى عملية زراعة الحالب التي لا تتوفر إمكانات إجرائها في قطاع غزة، أصدرت وزارة الصحة تحويلة علاج لها خارج القطاع بتاريخ 30 سبتمبر 2026، لكنها لا تزال تنتظر الموافقة الإسرائيلية على السفر، وسط مخاوف من تدهور حالتها الصحية قبل تمكنها من الوصول إلى العلاج”.
ويواجه أكثر من 350 ألف مريض يعانون من أمراض مزمنة في قطاع غزة صعوبات خطيرة في الحصول على أدويتهم. ويشمل ذلك أكثر من 225 ألف مريض بارتفاع ضغط الدم ونحو 71 ألف مريض بالسكري، بينهم نحو 3,500 مصاب بالسكري من النوع الأول. ويؤدي نقص الأدوية، ولا سيما الأنسولين وأدوية الأمراض المزمنة، إلى تعريض هؤلاء المرضى لمضاعفات صحية خطيرة، قد تصل إلى حالات تهدد حياتهم. وفي السياق ذاته، يواجه مرضى السكري صعوبات في الحصول على أقلام الأنسولين ووسائل الحقن وأجهزة قياس السكر وشرائط الفحص. وأشارت وزارة الصحة إلى اضطرار بعض المرضى إلى استخدام عبوات الأنسولين التقليدية في ظل نفاد الأقلام، وإلى إعادة استخدام الحقن أكثر من مرة بسبب عدم توافرها، في ظروف ترفع مخاطر العدوى والمضاعفات الصحية. كما أن نقص الفحوصات المخبرية، بما فيها فحص السكر التراكمي، يقوض قدرة الأطباء على متابعة المرضى وضبط خططهم العلاجية.
أفاد المريض فرات عبد المجيد عبد الغني ظاهر، 60 عاماً، من مخيم الشابورة في رفح ونازح حالياً في مواصي خان يونس8، لباحث المركز بما يلي:
“أعاني من ارتفاع ضغط الدم المزمن ومرض السكري من النوع الأول منذ أكثر من 20 عاماً، وكنت أحصل على أدويتي مجاناً وبانتظام من عيادة وكالة الغوث بمدينة رفح قبل نزوحنا إلى مواصي خان يونس في مايو 2024. منذ نحو شهر ونصف، توقف صرف أدوية الضغط والقلب التي أحتاج إليها بسبب عدم توفرها، ما اضطرني إلى شرائها من الصيدليات الخاصة بأسعار مرتفعة تفوق قدرتي المالية. وقد أدى انقطاع العلاج أو اللجوء إلى بدائل أقل فعالية إلى ارتفاع ضغط الدم واضطراب ضربات القلب، فضلاً عن الصداع والدوخة. كما أعاني نقصاً حاداً في الأنسولين، إذ لم أحصل خلال الشهر الماضي إلا على نصف الكمية التي أحتاج إليها، رغم حاجتي إلى جرعتين يومياً. وإلى جانب ذلك، تسبب مرض السكري في مضاعفات خطيرة في عينيّ، واضطررت قبل نحو شهر إلى الخضوع لعملية جراحية لعلاج النزيف والتجمعات الدموية فيهما، بعد تعذر حصولي على جلسات الليزر الدورية. وأخشى أن يؤدي استمرار نقص الأدوية وعدم انتظام العلاج إلى تدهور حالتي الصحية وتفاقم المضاعفات، بما قد يهدد حياتي”.
كما أفاد المواطن معين خليل أحمد إبراهيم، 59 عاماً، من رفح ونازح حالياً في مواصي خان يونس9، لباحث المركز بما يلي:
“أعاني من ارتفاع ضغط الدم المزمن منذ عام 2016، وكنت أتلقى أدويتي مجانًا وبانتظام من عيادة وكالة الغوث في مخيم رفح. لكن بعد نزوحنا إلى مواصي خان يونس في يونيو 2024، أصبحت أعاني من انقطاع متكرر في العلاج، وقد تمر أشهر دون توفر أدوية الضغط في العيادات والمراكز الصحية. وأحتاج حاليًا إلى نوعين من الأدوية لتنظيم ضغط الدم، إلا أنهما غير متوفرين منذ نحو شهرين، ما يضطرني إلى البحث عنهما في الصيدليات الخاصة وشرائهما على نفقتي، وهو أمر يتعذر عليّ أحيانًا بسبب ارتفاع الأسعار وعدم توفر المال أو الدواء، فألجأ إلى استخدام بدائل أقل فاعلية. وقد أدى عدم انتظام العلاج إلى ارتفاع ضغط الدم ومعاناتي من صداع شبه مستمر وإرهاق شديد ودوار وضعف في الأطراف، ما يزيد من المخاطر الصحية التي أواجهها في ظل استمرار نقص الأدوية وصعوبة الحصول عليها”.
وتواجه المختبرات الطبية في قطاع غزة أزمة متفاقمة جراء النقص الحاد في الكواشف والمواد والمستلزمات المخبرية، إلى جانب تعطل أجهزة تشخيصية أساسية وتعذر صيانتها، ما يحد من قدرتها على إجراء الفحوصات الضرورية لتشخيص الأمراض ومتابعة الحالات المرضية وتقييم الاستجابة للعلاج، ويهدد بصورة خاصة المرضى الذين يحتاجون إلى فحوصات دورية أو تشخيص عاجل. وفي هذا السياق، أفاد د. زكري أبو قمر10، لباحث المركز، بأن العجز في كواشف المختبرات، وهي المواد الكيميائية أو البيولوجية المستخدمة لإجراء التحاليل والفحوصات الطبية، بلغ 71%، مع نفاد 428 صنفاً من أصل 605 أصناف. كما بلغت نسبة الأصناف ذات الرصيد الصفري في لوازم المختبرات، التي تشمل الأدوات والمستهلكات اللازمة لإجراء الفحوصات 76%، بواقع 582 صنفاً من أصل 764 صنفاً. ويؤدي هذا العجز إلى تقليص قدرة المختبرات على إجراء الفحوصات التشخيصية الأساسية والتخصصية، ويحد من قدرة الأطباء على تشخيص الأمراض والإصابات بدقة، ومتابعة تطور الحالات المرضية والحرجة، واتخاذ القرارات العلاجية المناسبة في الوقت الملائم، بما يعرض سلامة المرضى للخطر ويؤخر حصولهم على التدخلات الطبية الضرورية.
الدكتور حسام يوسف حمد11، مالك مختبر حسام في مدينة غزة، أفاد لباحث المركز، بأن النقص الحاد في المستلزمات المخبرية أدى إلى تعذر إجراء عدد من الفحوصات الأساسية، أبرزها فحوصات فيتامين (B12) وفيتامين (D)، ونقص فحوصات المعادن، بما فيها الصوديوم والبوتاسيوم والزنك. كما تشهد الفحوصات الهرمونية نقصاً شديداً، ولا سيما فحص هرمون النمو، الذي ارتفعت تكلفته إلى نحو 250 شيكلاً للفحص الواحد، فيما قد تحتاج بعض الحالات إلى أربعة فحوصات يومياً، ما يشكل عبئاً مالياً يفوق قدرة كثير من الأسر.
وأضاف أن مواد فحص غازات الدم نفدت، وهو فحص بالغ الأهمية، خاصة لمرضى العناية المركزة والحالات الحرجة، بمن فيهم فاقدو الوعي والمصابون بالغيبوبة، إذ يساعد في تقييم مستويات الغازات والتوازن الحمضي القاعدي في الدم، ويوفر للطواقم الطبية مؤشرات أساسية لاتخاذ القرارات العلاجية العاجلة. كما يتعذر حالياً إجراء عدد من الفحوصات الأخرى، من بينها فحوصات الثلاسيميا والمؤشرات الدالة على الأورام السرطانية، والفحوصات المرتبطة بمرض الصرع ومتابعة مستويات الأدوية، الأمر الذي يعيق تشخيص هذه الحالات ومتابعتها وتقييم فعالية علاجاتها. وأشار حمد إلى أن أسعار الفحوصات التي لا تزال متاحة شهدت ارتفاعاً كبيراً نتيجة زيادة تكاليف الكواشف والمواد التشغيلية وصعوبة توفيرها، محذراً من أن استمرار منع إدخال المستلزمات المخبرية خلال الأسبوعين المقبلين قد يؤدي إلى توقف المختبرات عن إجراء عدد من التحاليل الأساسية والتخصصية بصورة كاملة.
وقد أفاد أطباء في قسم الدم والأورام للأطفال بمستشفى الشهيد عبد العزيز الرنتيسي 12لباحث المركز، بأن القسم يعاني حالياً من نقص حاد في الأجهزة والمعدات الطبية الأساسية، جراء تدمير عدد كبير منها خلال اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي للمستشفى في نوفمبر 2023، وما خلّفه ذلك من أضرار جسيمة في مرافقه وتجهيزاته. ورغم إعادة تأهيل القسم جزئياً عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار في 9 أكتوبر 2025، فإنه لا يزال يفتقر إلى العديد من التجهيزات الضرورية لتقديم الرعاية الطبية المتخصصة للأطفال المصابين بأمراض الدم والأورام، وفي مقدمتها مضخات المحاليل الوريدية، ومضخات الحقن، وأجهزة مراقبة العلامات الحيوية للمرضى. كما أن جميع الأسرّة المتوفرة حالياً متهالكة، فيما جرى انتشال معظم الأجهزة المتبقية من تحت الركام بجهود العاملين في المستشفى وإعادة تشغيل ما أمكن منها، رغم أنها لم تعد تعمل بالكفاءة المطلوبة، ولا تضمن دقة النتائج وموثوقيتها بالشكل اللازم.
وأضاف الأطباء أن نفاد عدد من أصناف الأدوية الأساسية يضطرهم إلى اللجوء إلى بدائل علاجية وجرعات دوائية بديلة، في محاولة للحفاظ على حياة الأطفال المرضى والحد من تدهور حالتهم الصحية، إلى حين تمكّنهم من السفر لتلقي العلاج التخصصي خارج قطاع غزة. وأوضحوا أن هذه البدائل لا تحقق بالضرورة الفاعلية العلاجية المطلوبة، وقد لا تتناسب مع الاحتياجات الطبية الدقيقة لكل حالة، فضلاً عن احتمال تسببها بمضاعفات صحية إضافية، الأمر الذي يفاقم المخاطر المحدقة بحياة هؤلاء الأطفال ويهدد سلامتهم الصحية.
يؤكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن النقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية، والقيود الإسرائيلية المفروضة على إدخالها إلى قطاع غزة، يشكل انتهاكاً جسيماً لالتزامات دولة الاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما في ظل اعتماد حياة مئات الآلاف من المرضى على توافر الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة للعلاج والتشخيص، خاصة مرضى السرطان والفشل الكلوي والأمراض المزمنة.
وبموجب المادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، تلتزم القوة القائمة بالاحتلال بضمان إمداد السكان المدنيين بالأغذية والإمدادات الطبية اللازمة، وبجلب ما يلزم منها إذا كانت موارد الإقليم المحتل غير كافية. كما تلزم المادة 56 القوة القائمة بالاحتلال بضمان وصيانة الخدمات الطبية والمستشفيات والصحة العامة والنظافة في الإقليم المحتل. وتُعد الأفعال التي تنطوي على تعمد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالسلامة البدنية أو الصحة من الانتهاكات الجسيمة المشار إليها في المادة 147 من الاتفاقية، متى استوفت الشروط القانونية ذات الصلة.
وبموجب المادة الثانية (ج) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، يُحظر إخضاع جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية عمداً لظروف معيشية يُقصد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً. وفي هذا السياق، فإن الحرمان المتعمد والمستمر للسكان المدنيين في قطاع غزة من الأدوية الأساسية والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية، وما يترتب عليه من حرمان المرضى من العلاج، وتعطيل التشخيص والتدخلات الطبية المنقذة للحياة، والتسبب في معاناة شديدة ووفيات يمكن تفاديها، يشكل إخضاعاً للجماعة لظروف معيشية تفضي إلى تدميرها الجسدي كلياً أو جزئياً. كما تندرج هذه الأفعال، بحسب طبيعتها وسياقها وظروف ارتكابها، ضمن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية المنصوص عليها في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وتشكل هذه الممارسات انتهاكاً للحق في الصحة بموجب المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وللحق في الحياة بموجب المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما يفرض التزاماً بضمان توافر الأدوية الأساسية والخدمات الطبية وإمكانية الوصول إليها دون تمييز.
وعليه، يطالب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان المجتمع الدولي باتخاذ تدابير عملية وفاعلة لإلزام إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، بضمان الإدخال الفوري والآمن والمستدام والكافي للأدوية والمستهلكات الطبية والمواد المخبرية والمعدات التشخيصية إلى قطاع غزة، وفتح جميع المعابر اللازمة أمام الإمدادات الطبية دون قيود أو عراقيل، مع إعطاء الأولوية للأدوية المنقذة للحياة وأدوية السرطان والأمراض المزمنة ومستلزمات غسيل الكلى والتخدير والجراحة. كما يطالب بتمكين منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الطبية الدولية من إدخال الإمدادات والفرق الفنية اللازمة لاستعادة الخدمات الصحية المتخصصة، وضمان الإجلاء الطبي العاجل للمرضى الذين يتعذر علاجهم داخل القطاع، ودعوة الأمم المتحدة والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف إلى مراقبة وتوثيق آثار نقص الأدوية، والضغط لضمان احترام قواعد القانون الدولي ومساءلة المسؤولين عن انتهاكها.