نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الأيام الماضية المزيد من الغارات والقصف وإطلاق النار على قطاع غزة ضمن سياسة ممنهجة تقوم على القتل العمد للمدنيين، وتندرج ضمن أفعال الإبادة الجماعية المحظورة بموجب القانون الدولي، رغم مرور 106 أيام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي تتعامل معه كأنه غير قائم فعليا.
ووثق المركز تصاعد جرائم الاستهداف المباشر لأشخاص مدنيين لا يشاركون في الأعمال العدائية، بينهم أطفال ونساء ومسنون، في مناطق نزوح وخيام ومحيط مرافق طبية، وفي أماكن خارج نطاق التمركز الإسرائيلي، ما يعكس نمطًا ثابتًا من الاستخدام غير المشروع للقوة القاتلة.
وضمن أبرز ما وثقه باحثو المركز ما يلي:
ألقت طائرة مسيرة إسرائيلية عند حوالي الساعة 13:15 من مساء يوم السبت الموافق 24 يناير 2026، قنبلة باتجاه طفلين أثناء محاولتهما جمع الحطب في محيط مستشفى الشهيد كمال عدوان في منطقة مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة. أدى الهجوم إلى مقتل الطفلين سلمان زكريا محمد الزوارعة (14 عامًا) ومحمد يوسف محمد الزوارعة (15 عامًا)، بعد إصابتهما بشظايا في أنحاء متفرقة من جسديهما.
يقع مكان الاستهداف خارج ما يسمى بالمنطقة الصفراء، وعلى بعد نحو 300 متر جنوبًا من تمركز قوات الاحتلال قرب محطة البراوي على شارع بيت لاهيا العام، وهي منطقة مدنية بحتة، بما يؤكد أن الاستهداف تم دون وجود خطر وشيك أو مبرر عسكري.
أطلق جنود الاحتلال المتمركزون في المناطق الشرقية لمحافظة خان يونس عند حوالي الساعة 02:40 فجر الجمعة 16 يناير 2026، نيران أسلحتهم الرشاشة باتجاه المناطق الغربية للمحافظة، ما أدى إلى مقتل المسنة صباح أحمد علي أبو جامع (62 عامًا) بعد إصابتها بعيار ناري في الرأس، مدخل ومخرج، أثناء نومها داخل خيمتها. كما أصيب نجلها كريم (34 عامًا) بعيار ناري في يده اليسرى، مدخل ومخرج، في الحادثة ذاتها.
وأفاد منير محمد عبد الله أبو جامع، زوج القتيلة (60 عاما) لباحث المركز بما يلي:
“استيقظت على صوت ابني كريم، 34 عاما، الذي كان ينام هو وطفلته صباح، 11 عاما، وزوجتي في الخيمة الملاصقة من الجهة الجنوبية لخيمتي الصغيرة، وهو يصرخ قائلا ياما، ياما إيدي مش معي لفيت إلى الخيمة واطلاق النار مستمر من جهة تمركز قوات الاحتلال الإسرائيلي في المناطق الشرقية لخان يونس التي تبعد عنا حوالي 2 كيلومتر، وفي هذه الاثناء جاءت أختي نورا، 47 عاما، سألته مالك فقل لها يدي لا أشعر بها فأخرجته هو وابنته أمام الخيمة، فقال لها أيقظي أميـ وعادت نورا وجاءت أختي فريال، 50 عاما، وابني علي، 28 عاما، وحاولوا إيقاظ زوجتي صباح إلا أنها كانت مصابة بعيار ناري في رأسها وبدون حراك، وتجمع بعض النازحين المجاورين لنا، وقام ابني علي وآخرون بنقلها إلى مجمع ناصر الطبي القريب منا وسط إطلاق نار مستمر من جنود الاحتلال، ثم لحق بنا ابني المصاب كريم إلى المستشفى، وفي الاستقبال المستشفى أكد الاطباء استشهاد زوجتي جراء إصابتها بعيار ناري أصابها من الخلف وخرج من وجهها”.
أطلق جنود الاحتلال المتمركزون في المناطق الجنوبية الشرقية لخان يونس، عند حوالي الساعة 10:30 من يوم الأربعاء الموافق 21 يناير 2026، النار باتجاه مخيمات النزوح جنوب غرب خان يونس، ما أدى إلى إصابة المواطنة حنان جمال حمدان ماضي (34 عامًا) بعيار ناري في رأسها، ونقلت إلى مستشفى مجمع ناصر الطبي حيث أكد الأطباء مقتلها.
وأفاد شقيقها جلال لباحث المركز، أن شقيقته كانت خارج الخيمة في مخيم أرض السلام، تقوم بتعبئة خزان المياه، بينما كانت العائلة تتناول الإفطار، خلال ذلك سمع إطلاق خمسة أعيرة نارية من الجهة الجنوبية حيث يتمركز جنود الاحتلال، على بعد نو 1500 متر من المكان، ثم سمع صوت انفجار. عند خروجه وجد شقيقته ملقاة على الأرض تنزف دون حراك.
أطلق جنود الاحتلال عند حوالي الساعة 11:00 من اليوم نفسه، النار على الطفل المعتصم بالله أحمد محمد الشرافي (13 عامًا) أثناء جمعه الحطب برفقة شقيقه محمد (15 عاما) في منطقة دوار بني سهيلا شرق خان يونس، فأصابوه بعيار ناري في رقبته أدى إلى مقتله.
وأفاد والده لباحث المركز، أن طفليه خرجا من خيمتهما في مخيم أبراج طيبة شمال غرب خان يونس لجمع الحطب بسبب انعدام غاز الطهي. بعد ساعة من خروجها تلقى اتصالًا من ابنه محمد، بأن جنود الاحتلال الإسرائيلي أطلقوا النار عليهما وأن شقيقه المعتصم بالله أصيب قرب دوار بني سهيلا. أضاف: بعدها تواصلت مع الاسعاف التي جاءت معي وتوقفت عند مقر شركة الاتصالات ورفضت التقدم لأنه لا يوجد تنسيق، فاضطر للنزول ومشى على قدميه حتى وصل دوار بني سهيلا وشاهد ابنه ملقى على الأرض والدم ينزف من رقبته وكان بلا حراك فحمله وسار به باتجاه الغرب وأوقفت سيارة مدنية وتوجه إلى المستشفى حيث أكدوا مقتله.
يذكر أن للعائلة طفلًا آخر، عبد الرحمن (10 سنوات)، أصيب سابقًا برصاص قوات الاحتلال أثناء جمع الحطب وفقد إحدى عينيه.
تظهر هذه الوقائع أن جنود الاحتلال المتمركزين في المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية يطلقون النار بشكل شبه يومي باتجاه المناطق الغربية، دون وقوع أي أعمال قتالية، ما يؤدي إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين.
كما ألقت قوات الاحتلال قبل يومين منشورات شرق شارع صلاح الدين، خاصة في حي آل الرقب، ضمن نطاق بلدة بني سهيلا شرقي خان يونس، تطالب بالإخلاء دون تحديد مناطق واضحة، ما يعرض السكان في مختلف الأماكن لخطر دائم ويزرع حالة من الرعب والفوضى.
ووفق متابعة باحثينا، لم تتوقف قوات الاحتلال منذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، عن تنفيذ غارات جوية أو القصف المدفعي وإطلاق النار، إلى جانب تنفيذ عمليات نسف متكررة في المناطق الواقعة داخل الخط الأصفر لتدمير ما تبقى من منازل ومبانٍ في تلك المناطق. وقد أسفرت تلك الاعتداءات حتى الآن عن مقتل 496 مواطنًا بينهم 171 طفلا و65 سيدة و20 مسناً، وإصابة 1313 آخرين، منهم 43.7 % من الأطفال والنساء، وفق وزارة الصحة.
تؤكد الوقائع اليومية التي يشهدها قطاع غزة أن حالة العدوان العسكري الإسرائيلي مستمرة وأن وقف إطلاق النار غير قائم عمليا، إذ أن قوات الاحتلال تواصل الاعتداءات بشكل معلن ومنهجي ومتكرر، والانتهاكات تأخذ أشكالًا متعددة تشمل القصف اليومي والليلي للأحياء السكنية والمنشآت المدنية، وتدمير ما تبقى من المباني، إضافة إلى إطلاق النار المتعمد تجاه المناطق المكتظة بالنازحين.
كما تواصل قوات الاحتلال توسيع ما يسمى بالمنطقة الصفراء عبر الإزاحة المستمرة للعلامات الصفراء وقضم مساحات جديدة من الأراضي، ويحوّلها إلى مناطق خاضعة لسيطرة عسكرية مباشرة، ليقلص المساحة التي يتكدس فيها أكثر من 2.2 مليون إنسان في أقل من 40 % من مساحة القطاع.
تشكل هذه الأفعال انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب، وترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما تعكس، في سياقها العام وتكرارها واستهدافها لفئات محمية، أفعالًا تندرج ضمن جريمة الإبادة الجماعية كما عرفتها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، من خلال القتل العمد وإلحاق أذى جسدي خطير بأفراد جماعة قومية بقصد تدميرها كليًا أو جزئيًا.
يطالب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته واتخاذ إجراءات فورية تشمل فرض حماية عاجلة للمدنيين، وإنهاء الوجود العسكري لقوات الاحتلال في قطاع غزة، ووقف استخدام الأساليب والأسلحة التي تستهدف الأحياء المدنية، وإلزام إسرائيل بوقف هجماتها وحصارها على القطاع.