تاريخ الإفادة: 9/1/2026
محمد حميد سالم أبو موسى، 45 عاما، متزوج، وأب لثلاثة أطفال، سكان خان يونس.
أنا متزوج من السيدة روان حسن صالحة (36 عامًا)، وكان لدينا ثلاثة أطفال هم: جوري (13عامًا(، وحميد (14 عامًا)، ويوسف ( 7سنوات(، سكان حي الأمل في خان يونس. أعمل في وزارة الصحة بوظيفة أخصائي أشعة وتصوير طبي منذ عام 2007.
كنت أقيم مع أسرتي في شقتي السكنية الواقعة في الطابق الثالث من منزل العائلة الممتدة، الكائن في حي الأمل بمدينة خانيونس، وقد كنا نعيش حياة مستقرة، يسودها الشعور بالأمان والطمأنينة والاستقرار الأسري. وفي صباح يوم 7/10/2023، كنت متواجدًا في المنزل، في حين كانت زوجتي قد أنهت تجهيز أبنائنا للذهاب إلى المدرسة، وبالفعل خرجوا إليها، إلا أنه ومع سماعنا دوي الانفجارات العنيفة التي وقعت في ذلك الصباح، توجهت زوجتي فورًا إلى المدرسة وأعادت الأطفال إلى المنزل.
بعد نحو ساعتين، اتضحت صورة ما جرى، حيث تبيّن وقوع إطلاق صواريخ باتجاه الأراضي المحتلة واجتياز الشريط الحدودي. ومع تطور الأحداث وبدء الجيش الإسرائيلي بتنفيذ غارات وقصف عنيف استهدف مناطق متفرقة من مدينة خانيونس، تم إعلان حالة الطوارئ داخل مجمع ناصر الطبي. وبناءً عليه، تم تكليفي بالدوام الكامل وفق جدول طوارئ بواقع 24 ساعة ولمدة ثلاثة أيام أسبوعيًا، وقد التزمت بالقرار فور صدوره، ولاحظت منذ اللحظات الأولى أن ردة الفعل الإسرائيلية كانت شديدة العنف؛ إذ إن طبيعة الإصابات التي تعاملت معها خلال عملي في قسم الأشعة والتصوير الطبي كانت خطيرة ومعقّدة بشكل غير مسبوق.
يوسف أبيضاني حلو
وقد واصلت عملي بشكل طبيعي وكامل وفق ما هو مقرر، حتى قرابة الساعة 12:00 ظهر يوم الأحد الموافق 15/10/2023، حيث كنت متواجدًا على رأس عملي داخل مجمع ناصر الطبي، وفي تلك الأثناء، سمعت دوي انفجار قوي، ولاحظت من خلال ساحة المستشفى أن القصف الجوي استهدف محيط منزلي الكائن في حي الأمل بمدينة خانيونس. حاولت فورًا الاتصال بزوجتي عبر الهاتف المحمول، إلا أن الاتصال تعذّر بسبب انقطاع شبكة الاتصالات، وعلى الفور اتصلت بها عبر تطبيق الواتس آب؛ حيث رن هاتفها مرتين، وفي المرة الثانية تم فتح الخط، إلا أنني سمعت صراخًا وبكاءً شديدين دون وضوح للكلام، وفي اللحظة ذاتها، سمعت أحد المراسلين الإعلاميين داخل المستشفى يذكر أن الاستهداف طال منزل عائلة أبو موسى في حي الأمل، الأمر الذي أدخلني في حالة من الخوف والهلع الشديدين.
ومع سماعي وصول سيارات الإسعاف إلى المستشفى، اندفعت مسرعًا نحو قسم الاستقبال والطوارئ، وهاك سمعت صوت زوجتي وطفليَّ حميد وجوري، وتبيّن بحمد الله أنهم بخير وإصاباتهم متوسطة، حاولت تهدئتهم، إلا أنني لاحظت غياب طفلي يوسف عنهم، فبدأت بالبحث عنه داخل القسم، ثم في غرفة العناية المركزة، وبعدها توجهت إلى قسم الأشعة والتصوير الطبي علّي أجده هناك، دون جدوى.
عدت مجددًا إلى قسم الاستقبال، حيث كانت زوجتي تصف للأطباء ملامح يوسف، مرددة عبارتها: “ابني عمره 7 سنوات، أبيضاني وحلو وشعره كيرلي.” وفي تلك الأثناء، أوقفت أحد الصحفيين الذين كانوا يوثقون وصول المصابين، وطلبت منه الاطلاع على الصور التي التقطها، وخلال تقليب الصور تعرفت على طفلي يوسف في إحدى الصور، رغم أن وجهه كان مغطى، وأبلغني أحد المتواجدين في القسم أن الطفل الذي ظهر في الصورة قد تم نقله إلى المشرحة.
لم أستوعب ما قيل لي في تلك اللحظة، وتوجهت مسرعًا إلى المشرحة، حيث كانت الصدمة الكبرى، إذ تعرفت على طفلي يوسف هناك. حاولت، رغم ألمي وصدمة الفقد القاسية، أن أتماسك وأن أخفف من وقع الصدمة على زوجتي وأطفالي، في حين كنت أشعر بقبضة شديدة في قلبي وحزن عميق، لا سيما أن يوسف كان طفلًا مميزًا بذكائه وخفة دمه وروحه المرحة، دون أن أميّز بين أبنائي في المحبة.
وفي الاستهداف ذاته، استشهدت زوجة شقيقي هبة المدهون (38 عامًا)، وأبناؤها حميد جاسر حميد أبو موسى ((21 عامًا)، وعبد الرحمن جاسر حميد أبو موسى 8 )سنوات). كما أُصيب ستة من أفراد العائلة بجراح متوسطة، جراء استهداف الطيران الحربي الطابقين الثالث والرابع من المنزل.. كذلك أسفر القصف عن استشهاد أحد أقاربي، وهو هاني فتحي عامر أبو موسى (44 عامًا)، الذي أصيب بالركام المتطاير أثناء وجوده في الشارع المقابل للمنزل المستهدف. وقد تم دفن جميع الشهداء في مقبرة أبو موسى الواقعة في محيط أبراج النمساوي بمدينة خانيونس.
رغم الحادثة الأليمة التي انتزعت جزءًا من قلبي وروحي، واصلتُ عملي داخل المجمع الطبي حتى اجتياح مدينة خانيونس من الجيش الإسرائيلي بتاريخ 1/12/2023، ثم وصول قواته وفرضها حصارًا كاملًا على المجمع بتاريخ 22/1/2024، حيث كانت عائلتي متواجدة معي داخله.
الاعتقال بعد النزوح من ناصر
وفي حوالي الساعة الرابعة فجر يوم الخميس الموافق 15/2/2024، وبعد أن أصدرت قوات الجيش الإسرائيلي تعليماتها لإدارة المجمع، ممثلة بمديره عاطف الحوت، بضرورة إخلاء جميع النازحين ومرافقي المرضى، والإبقاء فقط على المرضى غير القادرين على الحركة إلى جانب الكوادر الطبية، وقد تم إبلاغه بخط سيره معين سوف نسكله وهو من بوابة المستشفى حتر عمارة جاسر ومن هناك سوف نسير حتى القلعة وسط البلد ومن ثم جنوبا حتى نصل للطريق المؤدي لمدينة رفح، اضطُررتُ إلى الخروج من المجمع برفقة زوجتي وأطفالي، مع مئات المواطنين.
توجهنا سيرًا على الأقدام نحو البوابة الشمالية الشرقية للمجمع، المطلة على شارع البحر، وفور خروجنا لاحظنا انتشارًا مكثفًا للآليات العسكرية الإسرائيلية، وتواجدًا واسعًا لجنود الاحتلال على الأرض، إضافة إلى القناصة الذين كانوا يتمركزون فوق المباني العالية المحيطة بالمجمع.
عند وصولنا إلى بوابة النادي الرياضي القريب من المجمع الطبي شرقًا مباشرة، تم إيقاف جميع المواطنين، وأُعطت قوات الاحتلال تعليمات بأن يتقدم كل خمسة أشخاص باتجاه كاميرا وُضعت أمام أحد المحال الواقعة أسفل مدرجات ملعب النادي والمطلة على الشارع العام. بعد ذلك، جرى أخذ بطاقتي الشخصية، وهاتفي الخلوي وهو من نوع POCO F3، وطُلب مني ومن شخصين آخرين الدخول إلى داخل النادي. وفور دخولنا، تعرضت لتحقيق أولي حول بياناتي الشخصية وحول طبيعة عملي، وبعدها تعرضنا لاعتداء عنيف بالضرب المبرح باستخدام الهراوات من قبل جنود الاحتلال، تخلله توجيه شتائم وألفاظ نابية ومهينة تمس الكرامة الإنسانية مثل ” يا أولاد الشرموطة، يا أبناء الزناة، يا لوطي”.
عقب ذلك، أُمرتُ بخلع ملابسي بالكامل، وكان بداخلها مبلغ مالي قدره 600 شيكل فقدته من حينها، وتعرضت لتفتيش جسدي مهين شعرت خلاله بأن أحد الجنود يتعمد ملامستي في أماكن حساسة بقصد الإذلال. ثم أُلبست بوكسر وأفرهول أبيض، وتم تكبيل يديّ إلى الخلف بأربطة بلاستيكية، وتعصيب عينيّ بشكل كامل.
مكثت محتجزًا داخل إحدى غرف مدرجات ملعب النادي لمدة تقارب (15) ساعة، ثم أحضرت القوات شاحنة عسكرية تم تحميلنا فيها بطريقة مهينة وحاطة بالكرامة الإنسانية، وانطلقت بنا باتجاه مكان مجهول. وخلال سير الشاحنة، تعمّد السائق إلحاق أكبر قدر ممكن من الأذى الجسدي بنا، إذ سلك طرقًا وعرة بشكل متعمّد، وقاد بسرعة مفرطة مع التوقف المفاجئ والمتكرر، الأمر الذي تسبب لي بآلام شديدة وحادة في قدميّ.
فور وصولي إلى ذلك المكان، أُدخلت مباشرة إلى غرفة تحقيق، حيث تم رفع العصبة عن عيني، وتبيّن أنها غرفة تضم مكتبًا ويتواجد بداخلها محقق يرتدي زيًا عسكريًا. بدأ التحقيق معي على الفور، وتركّزت الأسئلة حول طبيعة عملي، والأشخاص الذين قابلتهم داخل المستشفى خلال فترات دوامي، ومكان تواجدي يوم السابع من أكتوبر. وخلال التحقيق، وجّه لي المحقق اتهامات بالعمل مع حركة حماس، وهي اتهامات قمت بإنكارها بشكل قاطع.
وفي كل مرة كنت أنكر فيها هذه الاتهامات، كان يتم الاعتداء عليّ بالضرب. واستمر التحقيق معي لمدة تقارب ساعة، ثم أُعيد تعصيب عينيّ وتم اقتيادي إلى ساحة يتواجد فيها عدد من المعتقلين، حيث أُجلست على أرضية خشنة وجارحة، وكان الجلوس عليها مؤلمًا للغاية.
عانيتُ من بردٍ قارس في ظل أحوالٍ جوية شديدة السوء، إذ كانت الأمطار غزيرة، ما تسبب لي برجفةٍ حادة نتيجة انخفاض درجة الحرارة. وعلى إثر ذلك، أقدم أحد الجنود على وضع بطانية مبللة على جسدي، الأمر الذي فاقم معاناتي بدلًا من تخفيفها.
بقينا محتجزين في ذلك المكان حتى ساعات الصباح الأولى، ثم حضرت شاحنة عسكرية، حيث حملني الجنود وألقوني داخلها بعنف، واضطررتُ للنوم على ظهري فيما كانت يداي مكبلتين إلى الخلف، وهي وضعية شديدة القسوة والألم، تسببت لي بمعاناة جسدية بالغة.
بعد مسافة من السير، وصلنا إلى موقعٍ آخر كانت تنتظرنا فيه حافلات، وجرى إنزالنا من الشاحنة وإدخالنا إلى تلك الحافلات، ثم نُقلنا لاحقًا إلى مكانٍ مجهول. وخلال جميع مراحل النقل، وفي كل مرة كان يتم فيها تبديل وسيلة النقل، تعرّض جميع المعتقلين لاعتداءات بالضرب المبرح وبأسلوبٍ وحشي، مع توجيه شتائم نابية بشكل مستمر.
بعد وصولنا إلى ذلك المكان، جرى إنزالنا، ثم أقدم الجنود على إفلات الكلاب المُكمَّمة باتجاهنا، حيث كانت تعتدي علينا بضربنا باللجام بطريقة احترافية ومؤلمة للغاية، واستمر هذا الاعتداء لعدة دقائق، فيما كان الجنود يضحكون ويستهزئون بنا.
عقب ذلك، تم فك الأربطة البلاستيكية ورفع العصبة عن عيني، لأشاهد عددًا كبيرًا من الجنود المدججين بالسلاح، وهم يحملون الهراوات بأيديهم. وبدأوا بالصراخ علينا مطالبين بخلع ملابسنا بسرعة. بعد ذلك، أُعطيت لباسًا عبارة عن بجامة رمادية اللون وقطعة داخلية (بوكسر).
لاحقًا، جرى تكبيل يديّ بقيود حديدية، وتعصيب عينيّ مجددًا، وأُجلست بانتظار دوري للفحص الطبي. وبعد نحو نصف ساعة، أُدخلت إلى الطبيب الذي سألني عمّا إذا كنت أعاني من أمراض مزمنة أو أتناول أدوية معينة، فأجبته بالنفي، ثم تم إعطائي رقم سجين (017473).
بعدها، نُقلت إلى أحد الأقسام وأنا مكبل اليدين من الأمام بقيود حديدية، ومعصوب العينين. وعلمت لاحقًا من المعتقلين أنني محتجز في القسم “أ” داخل معتقل سدي تيمان، وبقيت على هذه الحال لمدة ثلاثة أيام متواصلة.
نظرًا لإجادتي الجيدة للغة العبرية، جرى تعييني لاحقًا شاويشًا داخل القسم، ومن أبرز الامتيازات المترتبة على هذا التعيين فك القيود الحديدية والعصبة عن العينين، مقابل القيام بمساعدة الأسرى في توزيع الطعام ونقل تعليمات السجّان إليهم.
كان القسم الذي كنت محتجزًا فيه يضم عددًا كبيرًا من المعتقلين، من بينهم 27 أسيرًا يعانون من أمراض مختلفة، وكنت أقوم بمساعدتهم على التوجه إلى دورة المياه، إضافة إلى توزيع الطعام، والقيام بمهام الترجمة عند الحاجة.
كنت أعاني صعوبة بالغة في التوجه إلى دورة المياه، ولا سيما فيما يتعلق بالطهارة، في ظل تكبيل يديّ وتعصيب عينيّ. كما كنا ممنوعين من الوضوء وأداء الصلاة، الأمر الذي زاد من معاناتنا النفسية والجسدية.
حملات القمع واستهدافي
مكثتُ في هذا القسم مدة 42 يومًا، تعرّض خلالها القسم لأربع حملات قمع نفذها جنود الاحتلال، وكانت هذه الحملات تتخللها عملية إلقاء قنابل صوت، وإصدار أوامر لجميع المعتقلين بالاستلقاء أرضًا على بطونهم، مع اصطحاب الكلاب، وخلال ذلك، كنا نتعرّض لاعتداءات بالضرب المبرح من قبل الجنود، وغالبًا ما كانت كل حملة قمع تستهدف معتقلًا بعينه، حيث يجري الاعتداء عليه بشكل وحشي أمام الآخرين.
في القمعة الأخيرة، تم استهدافي شخصيًا، حيث شُنّ الهجوم علي مباشرة وتعرّضت لاعتداء عنيف وعشوائي بالهراوات. وقد تعمّد أحد الجنود حملي وإلقائي أرضًا بعنف، ما أدى إلى كسر ريشتين من القفص الصدري، واستمر الألم الناتج عن ذلك لمدة ثلاثة أسابيع متواصلة. كما قام جندي آخر بضربي بالهراوة على منطقة الخصيتين، مما سبب لي ألمًا شديدًا دام نحو أربعة أيام متواصلة. واستمرت عملية الاعتداء بأكملها نحو خمس دقائق.
أتذكر وجود سجين يُدعى م. س، كان يعاني على ما يبدو من جلطات في الدماغ، وكان من بين الـ27 سجينًا المرضى في القسم، وكان يرتدي حفاظة صحية لكبار السن، وكنت أساعده في التوجه إلى دورة المياه وتناول الطعام. وبعد مرور أسبوعين على تعييني شاويشًا، ساءت حالته الصحية بشكل كبير ودخل في حالة نزاع، وتم نقله من السجن لمكان مجهول.
خلال الـ 42 يومًا الأولى من اعتقالي لم أتعرض لأي جلسة تحقيق فعلية، باستثناء جلسة واحدة كانت عبارة عن تعبئة إفادة لم تتجاوز مدتها عشر دقائق، وركزت هذه الجلسة بشكل رئيسي على جمع معلومات شخصية، وتطرقت أحيانًا إلى مسائل عسكرية كما ذُكر سابقًا، بالإضافة إلى تفاصيل عن طبيعة عملي ومكان تواجدي يوم السابع من أكتوبر 2023، ومن كان متواجدًا داخل المستشفى آنذاك..
بعد ذلك، نُقلتُ إلى قسم “ج” وأمضيت فيه 21 يومًا، كنت خلالها مكبل اليدين ومعصوب العينين طوال الفترة. وخلال وجودي في القسم، تعرّض القسم لثلاث حملات قمع، إحداها استهدفت المعتقل إ. س بشكل خاص، وبعد ثلاثة أيام، بدأت حالته الصحية تتدهور، وبدأ يفقد ذاكرته ويهلوس بالكلام، وأصبح بحاجة لمرافقة عند الذهاب إلى دورة المياه، وفي اليوم الأخير، سقط على الأرض وفقد وعيه، وكان واضحًا عليه أنه قد فارق الحياة، وأظن أن السبب كان نزيفًا في الدماغ نتيجة الضرب المبرح الذي تعرّض له. بعد ذلك، حضر الجنود إلى القسم وأخذوه.
وفي حملات قمع أخرى، ركز الجنود على شاب يُدعى م. م، حيث تعرّض لضرب لا يوصف، وحملة أخرى استهدفت شابًا من عائلة ح. بعد ذلك، نُقلت إلى سجن عوفر، وخلال عملية النقل تعرّضت لاعتداء وحشي، حيث أدت إحدى الضربات إلى كسر ريشة في القفص الصدري، وأدت لكمة أخرى إلى كسر فكي الأيسر. بعد إنزالي، وُضعت في غرفة رقم 10 التي كانت تضم 21 سجينًا، وأمضيت فيها نحو عشرة أيام. خلال هذه الفترة، شعرت بألم شديد في صدري وفكي استمر لحوالي أسبوع، وكنت أواجه صعوبة كبيرة في الأكل والتنفس.
وفي تاريخ 15/5/2024، تم مقابلتي من المحامية نادية دقة والمحامي نديم عرفة من مؤسسة الضمير داخل كونتينر، حيث طمأنوني على أهلي، ونقلت رسالة طمأنة لهم، كما أبلغتهم بما جرى مع الأسير إ. س، وأكدوا لي أنه قد فارق الحياة.
بعد ذلك، نُقلت إلى قسم آخر في سجن عوفر حتى تاريخ 17/6/2024، ثم تم نقلي إلى سجن النقب، حيث شملت عملية النقل اعتداء بالضرب المبرح، قبل وضعي في سيارة خاصة بمصلحة السجون، وعند وصولي، وُضعت في خيمة رقم 2 بقسم 3 مساحتها حوالي 5×10 أمتار، كان بداخلها نحو 28 سجينًا، مع حمام متهالك.
كان يتم اقتحام الخيام بشكل مفاجئ، حيث يُجبرنا الجنود على الخروج إلى الساحة، وأحيانًا يُوضع بعضنا داخل أقفاص. كما كان يتم العبث بمحتويات الخيمة بالكامل، وفي بعض الحالات يُسكب الماء على الفراش.
عقوبات بعد الإضراب عن الطعام
وفي تاريخ 7/7/2024، شاركنا في إضراب عن الطعام احتجاجًا على سوء نوعية الطعام المقدم لنا، وكذلك لسوء المعاملة، وبصفتي منظم الإضراب، تم نقلي إلى العزل الانفرادي لمدة 9 أيام، وكان في الغرفة سرير وحمام، وخلال هذه الفترة تم إحضار معتقلين آخرين اثنين معي.
بعد انتهاء فترة العزل، نُقلت إلى قسم 4، خيمة رقم 4، حيث تعرّضت الخيمة لحملة قمع واحدة من جنود الاحتلال، ومضيت فيها أسبوعين، ثم نُقلت مرة أخرى إلى العزل الانفرادي لمدة 5 أيام. بعد ذلك، تم نقلي إلى خيمة رقم 5 في قسم رقم 2، وبقيت هناك حتى منتصف شهر يناير 2025، وهي فترة التنقلات المرتبطة بالصفقة التي أُبرمت بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل. بعدها نُقلت إلى مكان يُعرف باسم “القلعة ب”، وهي خيمة محاطة بأسوار حديدية، بمساحة حوالي 5×10 أمتار، تضم نحو 40 سجينًا، وأمضيت فيها حتى تاريخ 24/2/2025.
بعد ذلك، تم نقلي إلى قسم “الأقفاص” المعروف باسم “البخ”، وهو قسم تتواجد فيه خيام محاطة بأسوار شبكية، ويُمنع فيه التوجه إلى الحمام بعد الساعة السادسة مساءً، وإذا اضطر المعتقل لقضاء حاجته، يضطر للقيام بذلك في جردل.
وخلال شهر 5/2025، كان معي سجين يُدعى م. إ. أ، 44 عامًا، وكان يعاني من انسداد في الأمعاء ويشكو من ألم مغص دائم، وتم نقله لاحقًا إلى قسم آخر، وبعد ذلك علمنا أنه قد فارق الحياة، وظللتُ محتجزًا في قسم “البخ” حتى شهر 8/2025.
كان الجرب منتشرًا بين عدد كبير من المعتقلين، وقد أصبت به في شهر 2/2025؛ وبسبب قلة الأغطية والفراش، كنا مضطرين للنوم متلاصقين، حيث يكفي الغطاء لثلاثة معتقلين فقط، وكانت الحكة شديدة جدًا، ما يؤدي أحيانًا إلى جرح الجلد، ومن ثم التهاب الجروح وحدوث تقرحات. كما سمعت عن سجين يُدعى م. ع، فارق الحياة نتيجة الجرب الشديد والالتهابات والتقرحات، وكان محتجزًا في قسم 4 بسجن النقب، وقد كانوا يجلبون لنا بعض العلاجات فقط عند بدء الحديث عن صفقات محتملة.
خلال فترة اعتقالي خضعت لأربع جلسات عبر جهاز حاسوب، وكانت التهم في كل مرة تتعلق بالانتماء لمنظمة إرهابية، وجاءت الجلسات على النحو التالي:
خلال اعتقالي تعرضت للعنف الجنسي منها محاولة أحد الجنود وضع عصا في مؤخرتي وأنا مرتدي ملابسي. كما كانت عمليات التفتيش الجسدي تبدو في كثير من الأحيان وكأنها محاولة للتحرش فقط، دون أي مبرر أمني. بالإضافة إلى ذلك، خلال نقلي إلى سجن النقب، تلقيت ضربة شديدة على خصيتي بركلة، وما زال ألمها يرافقني حتى الآن.
نحو الحرية
وبتاريخ 10/10/2025، نُقلت إلى قسم 4، الذي كان يضم عددًا من المعتقلين، وانتظرنا هناك حتى يوم السبت 11/10/2025، حوالي الساعة 3:00 مساءً، حين حضر وفد من الصليب الأحمر وبدأ في تعبئة استبانة، وأخبرنا بوجود صفقة وأنه سيفرج عنا قريبًا.
وبالفعل، صباح يوم الاثنين الموافق 13/10/2025، تم تسليمنا لباسًا رماديًا عليه شعار مصلحة السجون، ووضعنا في حافلات وانتظرنا حتى ساعات الظهر، ومن هناك، نُقلنا إلى معبر كرم أبو سالم، حيث تم تسليمنا لوفد من الصليب الأحمر الدولي، الذي نقلنا بدوره إلى مستشفى ناصر في خان يونس، ووصلنا حوالي الساعة 3:30 عصرًا.
خبر صادم
داخل المستشفى، استقبلني زملائي وأجريت فحوصًا أولية في النقطة الطبية، ثم التقيت بزوجتي وأبنائي، وكانت الفرحة عارمة، لكن الفرحة لم تكتمل، إذ سألت عن والدتي الحاجة هيام محمد عبد الرازق المدهون (75 عامًا)، فأخبرتني زوجتي بأنها استشهدت هي وشقيقتي آية حميد سالم أبو موسى (35 عامًا) وأطفالهما عمر فهد أبو موسى (9 أعوام) ومريم فهد أبو موسى (7 أعوام) خلال اجتياح مدينة دير البلح بتاريخ 21/7/2025، وبعد ذلك غادرت المستشفى.
قبل الاعتقال كان وزني 105 كيلوغرامات، وعند لحظة الإفراج عني أصبح وزني 74 كيلوغرامًا.