يدين المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بأشد العبارات جريمة التهجير القسري التي طالت 20 عائلة فلسطينية من تجمع شلال العوجا البدوي شمال محافظة أريحا صباح اليوم الخميس الموافق 8/01/2026، نتيجة تصاعد اعتداءات وتهديدات المستوطنين المنفذة تحت حماية وتواطؤ قوات الاحتلال الإسرائيلي، في سياق سياسة ممنهجة تستهدف تفريغ المنطقة من سكانها الأصليين وفرض وقائع استعمارية غير قانونية على الأرض.
ووفقاً لمتابعات المركز، اضطرت 20 عائلة من عائلات العمارين، تضم 129 فردًا، منهم 50 طفلا و25 امرأة، يقطنون في الجهة الشمالية الغربية من تجمع شلال العوجا البدوي إلى تفكيك مساكنها البدائية المصنوعة من الصفيح والرحيل قسراً، بعد سلسلة متواصلة من الاعتداءات والتهديدات المباشرة من المستوطنين التي طالت أفرادها ومصادر رزقهم، في ظل غياب أي شكل من أشكال الحماية.
وتعود جذور هذه الجريمة إلى استيلاء مستوطنين على أراضٍ محاذية للتجمع في منطقة عين العوجا قبل نحو عامين، حيث شرعوا منذ ذلك الحين في فرض سيطرتهم بالقوة، عبر إدخال قطعان الأغنام، وتوسيع نطاق الاعتداءات والمضايقات بحق السكان الفلسطينيين. وبلغت هذه الاعتداءات ذروتها في 31/12/2025، حين أقدم المستوطنون على حراثة ما يقارب 100 دونم من الأراضي أمام منازل المواطنين، تمثل مصدر رزقهم، وتخريب الطريق الترابي الوحيد المؤدي إلى مساكنهم، وقطع التيار الكهربائي عن التجمع، في خطوة واضحة لشل مقومات الحياة ودفع السكان إلى الرحيل.
وأفاد أحد سكان المنطقة المحامي هيثم سليمان داهود زيدان (25 عاماً) لطاقم المركز أن المستوطنين دأبوا على اقتحام التجمع ليلاً ونهاراً، والاعتداء على السكان وتهديدهم بالقتل إن لم يغادروا المنطقة، مؤكداً أن هذه التهديدات المتواصلة، دفعت العائلات، خاصة القريبة من عين العوجا، إلى الرحيل القسري خوفاً على حياتها.
ويضم تجمع شلال العوجا نحو 121 عائلة قوامها 800 نسمة غالبيتهم من الأطفال، ويعتمد سكانه من البدو على الزراعة وتربية المواشي كمصدر أساسي للعيش، ما يجعل تهجيرهم القسري اعتداءً مباشراً على حقهم في السكن، والعمل، والحياة الكريمة.
ويشير إلى أن هذا النمط من الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون لا تُعد ممارسات عشوائية أو فردية، بل هي نتاج تنسيق منهجي ومتعمد بين أذرع الاحتلال المختلفة: الحكومة، والجيش، والمستوطنين. ويعكس تقاسم الأدوار، سياسة رسمية تهدف إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية، وتفريغ المناطق الفلسطينية، عبر أدوات عنف منظّمة ومحمية قانونيًا وعسكريًا، في إطار تغيير الواقع الديمغرافي وتكريس خطة الضم.
وسبق أن وثق المركز في تقرير ميداني ما تتعرض له منطقة الأغوار الفلسطينية، وخاصة شرق محافظة أريحا، من تصعيد خطير في انتهاكات قوات الاحتلال الإسرائيلية الرامية إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، عبر ممارسة أشكال متعددة من التهجير القسري بحق التجمعات البدوية. ويبرز من بين هذه الحالات ما تعرض له تجمع عرب المليحات التحتا، جنوب شرق قرية العوجا، من ضغوط منهجية دفعت سكانه إلى إخلاء مساكنهم ومناطق رعيهم في واحدة من أخطر عمليات الترحيل القسري خلال عام 2025.
يؤكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن ما حدث في تجمع شلال العوجا يشكل جريمة تهجير قسري محظورة بموجب أحكام القانون الدولي الإنساني، ولا سيما المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل القسري الفردي أو الجماعي للسكان المدنيين في الأراضي المحتلة.
ويندرج ذلك ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تغيير الطابع الديمغرافي في الضفة الغربية، وإحلال المستوطنين مكان السكان الأصليين، وتندرج هذه الممارسات ضمن جرائم الحرب وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، باعتبارها نقلًا غير مشروع للسكان المدنيين، وتدميراً للممتلكات، واعتداءات على المدنيين.
ويشدد المركز على أن اعتداءات المستوطنين، بما في ذلك العنف الجسدي، وتخريب الممتلكات، وقطع مصادر العيش، تتم في إطار سياسة رسمية معتمدة من سلطات الاحتلال، تقوم على تشجيع الاستيطان الرعوي واستخدامه أداة لفرض التهجير القسري وتوسيع السيطرة الاستعمارية على الأراضي الفلسطينية، ما يرتب مسؤولية قانونية مباشرة على دولة الاحتلال.
يحمل المركز سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن جريمة التهجير القسري التي تعرض لها سكان تجمع شلال العوجا، وعن سلامة السكان الذين ما زالوا مهددين بالرحيل.
ويطالب المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، بالتحرك العاجل لوقف اعتداءات المستوطنين، ووقف عمليات التهجير القسري وتوفير الحماية الدولية الفورية للسكان المدنيين.
ويحث المحكمة الجنائية الدولية على تسريع وتيرة تحقيقاتها في جرائم الحرب المرتكبة في الأراضي الفلسطينية، بما يشمل جرائم التهجير القسري، وتوسيع دائرة المساءلة لتطال المسؤولين عن سياسات الاستيطان والتهجير القسري.
ويؤكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن استمرار الإفلات من العقاب يشجع على تصاعد هذه الجرائم، ويقوض أسس الحماية الدولية للمدنيين، محذراً من أن الصمت الدولي إزاء ما يجري في الضفة الغربية يرقى إلى تواطؤ غير مباشر مع سياسة التهجير القسري والتطهير الديمغرافي.